الرئيسيةتقاريرمجتمع

تقرير إخباري | دور العجزة بالمغرب..ثقافة جديدة تتحدى القيم

بلادنا24_ زينب الحريتي

أضحت ظاهرة إيداع الآباء بدور انتظار الموت ” دور العجزة” من أكثر الظواهر الاجتماعية انتشاراً في مجتمعنا المغربي ، ظاهرة لم تعتد عليها الأسرة المغربية لاعتبارات كثيرة، نظرا للمكانة التي تحظى بها قيمة الآباء في المجتمع المغربي، إضافة إلى العامل الديني الذي يحث على البر بهما، إلا أنه و رغم الرفض المتكرر لهذه الظاهرة الدخيلة إن صح التعبير عن ثقافتنا، إلا أنها أصبحت منتشرة بيننا بشكل واضح.

و عند إثارة  هذا الموضوع ،يُظهر الكثيرون استياءهم من طرح الفكرة، إلا أن محاولة الحديث عن الأسباب التي تكمن وراء لجوء الأبناء إلى إيداع إبائهم بمراكز تعنى بالعناية بالمسننين، تأخذ الحيز الكبير في محاولة تفسير الظاهرة، رغم أن الأسباب الكامنة  ورائها، تبقى مبهمة.

فاطمة طالبة ترى أن استفحال ظاهرة وضع الآباء بدور العجزة، تتعارض مع ثقافتنا و ديننا، ” أعتقد أنه لاوجود لأي مبرر يفسر التخلي عن أحد والدينا، فكيف يعقل أن أضع أمي أو أبي في مركز ما، بذريعة الفقر أو عدم قدرتي على العناية بهما،  وقد ضحوا بكل ما يملكان حتى و صلت للمستوى الذي عليه أنا الآن، وأي مبرر لا يقبل في هذه الحالة، وكوننا مسلمين فهذا يتعارض أيضا مع ديننا الذي يحث على البر بهما، خاصة و أن الجنة تحث أقدام أمهاتنا”.

محمد شاب في العشرينيات من عمره هو الآخر يستنكر الظاهرة التي يراها غير قابلة للتفسير يقول:” أتعارض مع فكرة وضع الآباء في دور العجزة، إلا أنني أرى أن هناك مجموعة من العوامل التي تدفع ببعض الأبناء للقيام بذلك، وأول سبب راجع لزوجة الابن التي لا تتقبل إقامة الأبويين معها في منزل واحد، أو غيرتها من الاهتمام الذي يقدمه الزوج لهما، والسبب الثاني أن الابن لا يثمر فيه الخير و التربية الذي قدمها له أبويه، فلا يستطيع رعايتهما، ليجد الحل في وضعهم بأحد المراكز التي تعتني بهما”.

دلالات إجتماعية سلبية

وبخصوص تقبل المجتمع لهذه الظاهرة صرح، أمغار مولود، أستاذ علم الاجتماع  لـ”بلادنا24” ،هناك جزء كبير وعريض من المجتمع يدين إرسال الآباء المسنين لدور العجزة، لما يتضمنه هذا الفعل من حمولات ودلالات إجتماعية سلبية، باعتبارها مخالفة لتعاليم الإسلام الذي يوصي بالإحسان إلى الوالدين، ومنافية للذوق الأخلاقي والقيمي العام.وهذا ما تعبر عنه مجموعة من الدراسات والأبحاث السوسيولوجية، حول التمثلات الاجتماعية للشيخوخة التي خلصت إلى أن فئة عريضة من المجتمع  لازالت ترى في التخلي عن الآباء أو إرسالهم إلى دور العجزة أمرا مرفوضاً، بحيث ينظر إلى دور العجزة كمؤسسة عقابية، المرسَل إليها قد يكون معاقبا على  ذنب أو معصية إرتكبها في حياته، والشريحة التي تتخلى أن أبائها مجموعة من المغضوب عليهم (مساخيط الولدين).

مضيفاً: “في الواقع، إن عملية التخلي عن االآباء لا يمكن إعتبارها أمرا عاديا ،لأنها لا تندرج في خانة الحرية الفردية. فعملية التخلي، واقع متشكل خارج عن إرادة الأفراد، تتحكم فيه مجموعة من الحتميات الاجتماعية، منها ما يساعد في تأخير تنامي الظاهرة ومنها ما يساعد في تناميها، وهناك مجموعة من العوامل المفسرة لهذه العملية، والتي يصعب  علينا جردها جميعا”.

متابعا، “وبخصوص العوامل المساهمة في التخلي عن المسنيين ثلاثة عوامل تساهم في عملية تفسير تنامي الظاهرة، أولها التحولات الهيكلية التي عرفتها الأسرة المغربية، إثر الانتقال من نمط عيش تقليدي إلى نمط عيش حضري، أثرت على مروفورجية الأسرة المغربية التي انتقلت من أسرة ممتدة إلى أسرة نووية، مما ساهم بشكل تدريجي في انكمش دورها في عملية الإنتاج الاجتماعية وحصر وظائفها. فعملية الانتقال شملت تفويض الأسرة لمجموعة من مهامها، لفائدة المؤسسات الاجتماعية الحديثة، ويبدو أن عملية التفويض أصبحت تشمل بشكل متنامي تفويت رعاية المسنين لدور العجزة لكونها مؤسسة حديثة يناط لها  مهمة العناية بهذه الفئة”.

 

الوضعية الاقتصادية المتأزمة

وبخصوص العامل الثاني أضاف “الوضعية الاقتصادية المتأزمة للأسرة المغربية كما تسجل ذلك المندوبية السامية للتخطيط، في دراستها حول وضعية الأسر المغربية، وفي غياب التغطية الصحية والضمان الاجتماعي لمجموعة كبيرة من الأسر وخصوصا بنسبة لهذه الفئة، التي يصبح المرض عند أغلبيتهم جزء من معاناتهم اليومية”.

مؤكدا على أنه يمكن إدراج العامل الديمغرافي، كعنصر تحليلي في تفسير الظاهرة، “فمن خلال البحث الاستشرافي حول “أية ديمغرافية للمغرب في أفق 2030″الذي قامت به المندوبية السامية للتخطيط، يُظهر أن نسبة الساكنة التي يزيد عمرها 60 سنة، ستشكل في أفق 2030،  15،4% من مجموع ساكنة المغرب، أي أمام 5،8 مليون نسمة، وبصورة رقمية أكثر وضوحا سيصبح ثلاثة من أصل 10 مغاربة سنهم يزيد عن 60 سنة. هذه الأرقام والنسب المذكورة، بالإضافة إلى ارتفاع أمد الحياة عند المغاربة إلى 77 سنة في 2030، حتما ستساهم في الزيادة من نسبة المسنين المتخلى عنهم، وستتأزم وضعيتهم في حالة الاستمرار في تأخير وضع سياسة اجتماعية ضمن استراتيجية وطنية، الهدف منها ليس الحد من ظاهرة التخلي عن المسنين في دور العجزة، بل الحد من ظاهرة تشردهم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى