تقارير

حينما تصير “النعمة نقمة”.. البطيخ الأحمر يُعدم الحياة بطاطا

بين الدلاح والفلاح حكاية صراع ووجود، على الماء من أجل الحياة، فلولا الماء لهلك الإنسان، عطشاً وظمأ، ولولا الماء، لما كانت هذه الفاكهة الصيفية التي يتمتع بها المرء إثر كل وجبة غذاء، ومن هنا بات استنزاف الماء لدى الطرفين عامل وجود ونماء.

 

ولأن هذه الفاكهة الصيفية، تتطلب الماء الوفير، فقد أثر ذلك على الإنسان وجوداً واستمراراً، ولكم اشتكى وتباكى هؤلاء الفلاحون من ندرة الماء الذي سلبهم إياها البطيخ الأحمر في منطقة طاطا على وجه الخصوص فإما أن يشربوا أو يرتووا، وإما أن يكون البطيخ الأحمر سارقاً لمواردهم المائية وهنا تحدث المأساة “مأساة العطش” و”مأساة الاستغناء عن زراعة البطيخ الأحمر” وفي كلتا الحالتين هناك مشكلة استدعت المسؤولين إلى منع زراعة “الدلاح ” حرصاً على حياة المواطنين,

 

نعيش في جو نفسي صعب جدا، لا نجد الماء حتى للوضوء، مررنا بفترات جد قاسية، البسطاء يبقون دائماً بسطاء، يروون غليلهم في مدن أخرى تاركين بيوتهم وواحاتهم” بهذه العبارات الخانقة عبر الهيبة عبيل وهو أحد فلاّحي منطقة طاطا ومشرف على واحة المدن بصوت ينبّئ باقتراب الكارثة، أو ربما بحدوثها فعلاً.

 

دفعت هذه الوضعية الكارثية بعامل إقليم طاطا صلاح الدين أمال العام الماضي بإصدار قرار يُعلن بموجبه الجماعات المحلية الترابية الواقعة بالنفوذ الترابي لإقليم طاطا مناطق متضررة من الجفاف، ونتيجة لهذه التراكمات قررت الحكومة حظر زراعة البطيخ الأحمر.

 

أكد على ذلك، نزار بركة، وزير التجهيز والماء في 4 مارس 2022 ،أن عملية زراعة البطيخ الأحمر مكلفة للغاية إذ تستنزف كميات كبيرة من المياه في منطقة تعاني أساساً من ندرتها، ما سبب في هلاك الفرشة المائية، مشيراً إلى أن الغاية من القرار ليس وقف زراعة البطيخ، وإنما عقلنته بغية الاقتصاد في الموارد المائية.

 

حلول ترقيعية

 

وبحسب مصادر متطابقة، لم يشهد المغرب خلال العقود الاخيرة أسوأ موسم جفاف كما يشهده الآن في السنة الحالية، نتيجة زيادة الطلب على هذه المادة الحيوية، وشح السماء، وارتباط ندرة المياه بطريقة استخدامه في الري الذي يستنزف قرابة 85 % موارد المغرب المائية.

 

 

الهيية عبيل أحد فلاحي مدينة طاطا، يقول في حديثه مع “بلادنا24″ واصفاً عمق المعاناة بأنها: ” معاناة حقيقية نعيشها في منطقة طاطا، فالمستثمر ينكب على هذه المنطقة لأنه يوجد بها أراض خصبة، وهي بمثابة همزة وصل بينهم وبين الأسواق الداخلية والخارجية”.

 

و اضاف قائلاً: “المخطط الأخضر أعطى بدوره دفعة سلبية وليست إيجابية، وذلك من خلال المساهمة في استفادة أشخاص لهم دخل جيد، أما الفلاح البسيط بمنأى عن الاهتمام”.

 

من جهته أعلن نزار بركة، أن زراعة الدلاح، لم تكن واردة  آنذاك ضمن المخطط الأخضر مبرزاً أن الأخير جاء تزامناً مع نهج استراتيجية ترشيد استعمال الماء.

 

وفي هذا السياق أكد المسؤول الحكومي أنه من أجل ذلك تشكلت لجنة وزارية لكن سرعان ما جرى التخلي عنها على اعتبار أن المخطط لم يشمل زراعات أخرى تستنزف الفرشة المائية وعلى رأسها “الدلاح”، الذي يُزرع في مناطق يعاني سكانها من العطش.

 

ويأسف عبيل لواقع حال بلدته الظمأة التي استنزفها الوافدون من مناطق أخرى، قسوا على تربتها دون دراية كافية بطبيعتها،مسترسلاً في حديثه : ” أغلبية الناس الذين استفادوا من المخطط الأخضر لا يعرفون طبيعة الأرض، فهم ليسوا مهنيين، لذلك لا يتشبثون بزراعة ما هو متوارث مثل زراعة النخيل”.

 

ومن بين الأخطاء المرتكبة من قبل المستثمرين بحسب عبيل،  شروعهم في عملية التنقيب، إذ كان عمق “الخطارات”  في حدود 14 مترا، لكنه تجاوز ذلك بعدما باشرت هذه العمليات، وبلغ عُمقها الآن بما  يفوق  100 متر وهنا يظهر حجم المأساة، التي تهدد الفرشة المائية.

 

لا يرى المشرف على واحة المدن  أي بصيص أمل، ولا وجود لحلول بديلة برأيه جميعها حلول ترقيعية، موردا “هناك عدد من القرارات تبقى مجرد حبر على ورق”.

 

وأفضت أزمة العطش إلى أزمات أخرى أصابت وجدان المواطن في طاطا، وربما في عموم المغرب الذي يُعاني من تبعات الجفاف على جل مناحي الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، وألقت بظلالها على نفسيته كذلك، وهو ما أعلنه صراحة الهيبة في حديثه مع جريدة “بلادنا24”.

 

ويقول الهيبة: “نعيش في جو نفسي صعب جداً، لا نجد ماء حتى للوضوء، مررنا بفترات جد قاسية في السنوات القليلة الماضية، البسطاء يبقون دائما بسطاء، يروون عطشهم هجرة إلى مدن أخرى مخلفين وراءهم بيوتهم وواحاتهم”.

 

غاض الماء وجفت الأنهار ونشر الجدب رداءه في الحقول والمزارع فاكتست الأرض لون السواد، وانعكس ذلك على وجوه الناس ذبولاً وتشاؤماً فلم يعد الماء في متناول الجميع، وكأنك تلمح ذلك في الحلوق الظامئة والوجوه الذابلة لأن الماء الذي هو الحياة يكاد ينعدم أو لا وجود له.

 

لا أدري إن كان صوتي يُسمع حياً، لكنني أُطالب المسؤولين بإدخال القرارات حيز التنفيذ، من أجل إخماد نار العطش التي تهدد الزرع والبشر” هكذا ختم حديثه لكن للقصة بقية، أو ربما “للغصة”.

 

الواحة تلفظ أنفاسها الأخيرة

 

بدوره يشير أحمد الهيبة الخلطي فاعل جمعوي بإقليم طاطا أن مشكل زراعة البطيخ بدأت تظهر تقريباً ،في الوقت الذي انفتحت طاطا على هذه الزراعة، قائلاً: “منذ سنتين نعاني من انقطاع الماء، والدوار الذي أنتمي إليه كان يوفر فقط صهاريج الماء، قمنا بالعديد من الوقفات والشكايات، أفضت هذه التنديدات إلى بعض الحلول الترقيعية كأن يجلبوا لنا الماء من “المداشر” المجاورة، ولكن المشكل أن الساكنة قررت الرحيل”.

 

يستطرد الخلطي بحرقة بأن الإشكال يكمن في من يقوم بزراعة الدلاح، فهم ليسوا من أبناء المنطقة ولا يعرفون طبيعتها، عينهم فقط على الربح : “صراحةً رحبنا بقرار منع الدلاح كفاعلين جمعويين وساكنة، لأننا كنّا من الأوائل الذين ندّدوا بمخاطر هذه الزراعة”.

 

في ظل جشع المستثمرين رحّب الفاعل الجمعوي قرار المنع بالقول: ” نددنا ولكن لم نلق أي صدى من قبل السلطات المعنية، كان هدفنا الحفاظ على الواحة والعيون ، فجلها جفت وطمس التراث اللامادي للإقليم”,

 

ويرى الخلطي أن هذا المنع يعتبر حلاً مؤقتاً، كون أن الدلاح يستنزف كمية هائلة من المياه، لكن المعاناة تتجسد خاصة في فصل الصيف بشكل كبير، فالماء قليل جداً، ويضطر الساكنة للتنقل إلى مناطق أخرى، وها نحن مقبلين على شهر رمضان  الفضيل، ومقبلين كذلك على معاناة أمرّ “.

الواحة التي رعت الساكنة لسنوات، ها هي تسقط في أتون الجفاف، وتعلن نهاية الحياة فيها، والماشية التي كانت تجلبها الأمهات للسقي لم تعد تسلك طريق الواحة، والساكنة بسبب الجفاف والدلاح لم تعد تجد حتى “دموعا” تذرفها عليها.

 

ويكمن البديل بحسب نظره في  زراعة النخيل التي تشتهر بها طاطا، وأيضا في الحناء فهي لا تستهلك الماء، فضلا عن زراعات أخرى من خضروات وغيرها ممن تحنو على تربتها، و ساكنتها من العطش، والنزوح.

 

وأردف الخلطي في حديثه معنا ،قائلاً : “نحاول أن ننظر في حل للمزارعين من خلال دق أبواب العمالة والمجالس المحلية، كي يقدموا لهم حلولاً في الفلاحة ريثما تتحسن الوضعية”.

 

ويصرح المتحدث ذاته أن من يقوم بزراعة الدلاح جلهم مغاربة كانوا في مناطق متعددة منها زاكورة، وانتقلوا الى طاطا منذ أربع سنوات تقريباً بمعية السلطات التي سهلت لهم عملية حفر الآبار، لذا يُعد عملهم  قانونياً والساكنة لا يسمع صدى أصواتهم عند الاحتجاج”.

 

ويُطالب أحمد الهيبة وعبيل من قبله بتوقيف هذه الزراعة لأنها تهدد الفرشة المائية وحياة الساكنة معا، علاوة على الاستقرار، لأن مورد الساكنة الأساسي نابع من الماء وإذا نفذ تكمن الكارثة.

 

 

الماء بالتناوب

 

 

و في هذا الصدد، صرح ابن إقليم طاطا علال  ظلع الصحفي والفاعل الجمعوي لجريدة “بلادنا24” أن غالبية المستثمرين يأتون من خارج الإقليم ويحفرون الآبار لسقي البطيخ الأحمر الذي يؤثر على المستقبل المائي بصفة عامة، وهذا ما يُلاحظ للعيان، فجلّ الدواوير والعيون نفذت من الماء، إذ أن السلطة المحلية في الصيف من تقوم بجلبه لهم عبر صهاريج.

 

ويحكي علال تفاصيل المأساة التي تعيشها بلدية “فم زكيد” التي يصل إليها الماء  بالتناوب، قائلاً : ” توزع  المياه كل خمس ساعات في اليوم، فهو ليس متاحاً طيلة اليوم”.

 

الواحة التي كانت ظلاً ظليلاً للمسافرين في الصحراء، قد أصابها الذبول فماتت جذورها واصفرّت أوراقها وودعت الطبيعة التي أعلنت موتها بسبب الجفاف.

 

دقّ المجتمع المدني الطاطوي ناقوس الخطر ، للتنبيه على الوضع الكارثي الذي ينبئ بمستقبل مائي مظلم، يضيف ظلع: “كانت توقيعات ومراسلات لعامل الإقليم الذي تفاعل مع هذا الأمر أخيراً بعد طول انتظار ،وكان قد أصدر عامل إقليم طاطا في السنة الماضية قراراً عاملياً اعتبر فيه منطقة طاطا منطقة جافة”.

 

 وهذا القرار له آثاره القانونية  بحسب ابن مدينة طاطا والتي تهم تخفيف هذه الزراعة، وردم الآبار غير المشروعة، كما خرجت لجان من السلطات المحلية ووكالة الحرث المائي والفلاحة، تزور الأماكن غير المرخّصة وتقوم بردمها ، وكان آخر قرار الذي استبشرت فيه الساكنة هو قرار الحكومة الأخير الأسبوع الماضي بمنع زراعة الدلاح بإقليم طاطا ،الذي يدل على أن إقليم طاطا من بين المناطق المتضررة جداً وستصل إلى ما وصلت إليه زاكورة.

 

كانت زاكورة كما هي  طاطا الآن تُعاني من أزمة حقيقية على مستوى ندرة المياه، أدت إلى انتفاضة الأهالي الذين وقعوا تحت رحمة العطش، إذ يستهلك هكتار واحد من زراعة البطيخ  بحسب أرقام تقريبية ، زهاء 6 آلاف متر مكعب، وبهذا يمتص الكيلوغرام الواحد قرابة 100 لتر من الماء، وتكلف ما يزيد عن 10 مليون متر مكعب سنوياً في منطقة تعرف بمناخها الحار وجاف.

 

واعتبر الإعلامي أن المنع كان يجب أن يكون منذ فترة طويلة بقوله “حينما نُناشد السلطات الإقليمية يكون ردها بأن المشرع هو الذي يمنع لسنا نحن، بحكم أننا ننفذ القانون ولا نستطيع أن نمنع المستثمرين من زراعته، لكن ما جعل المشكل يشتد يتجلّى في أن المغرب الآن يعيش أزمة جفاف، فالمشكل قائم لأن الجميع يُعاني”.

 

خطورتها تكمن كذلك من خلال ما سبّبته مواسم الهجرة سواء داخل الإقليم أو خارجها ،هناك واحات ماتت، ومئات أشجار النخيل سقطت رغم عنفوانها، ومئات المساحات الخضراء تحوّلت إلى مساحات قاحلة وجفت الآبار ،كل ذلك بسبب زراعة الدلاح الدخيل على المنطقة، يستثمرون لأربعة أشهر ويرحلون آخذين معهم الفرشة المائية واستقرار الساكنة.

 

يؤكد  ظلع على وجوب تشريع القوانين بالنظر إلى واقع المواطنين مردفاً:  “للأسف يأتي القانون متأخراً” أما ردود أفعال المزارعين عن قرار الحكومة الأخير ،متابعاً حديثه لـ”بلادنا24″ بالقول: “المزارعين استقبلوه برفض وكانت مراسلة لرئيس مجلس الفلاحة الجهوي والعامل للتراجع عن اعتبار الإقليم منطقة جافة، كي يستمر مستثمري الدلاح بالزرع ،لكن المجتمع المدني رفض الأمر ،واستنكر المراسلة المقدمة لرئيس الغرفة الفلاحية لأن مصلحة الساكنة في الاستقرار أولى من زراعة دخيلة تستنزف الحياة”.

 

و بالرغم من إطلاق برنامج المخطط الأخضر منذ 14 ،والذي كان يصب على تغيير ملامح الفلاحة المغربية، إلا أنه لم يأخذ بعين الاعتبار زراعات أودت باستقرار ساكنة الجنوب إلى الهاوية، والدمار، وهو ما نشهده الآن في مناطق مختلفة، من بينها طاطا التي رفعت راية الاستسلام أمام ما خلفته زراعة البطيخ الدخيلة عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى