هل ترتيب أسماء سور القرآن توقيفي؟

يعد القرآن الكريم مرجعا مقدساً للمسلمين، على اعتباره كلام الله المنزل على رسوله محمد (صلى الله عليه وسلم)، ومن بين أبرز الجوانب المثيرة للاهتمام في هذا السياق هو تسمية السور في القرآن الكريم، حيث تظهر تسمياتها بأسماء معينة تحمل معاني ورموزاً دينية وعلمية، لذلك سنخصصة هذا المقال للحديث عن ترتيب السور في المصحف.
إذا نظرنا إلى تاريخ تسمية السور في القرآن، نجد أن الأسماء التي أطلقت عليها توقيفية، أي أسماء جاءت من الله تعالى نفسه، وهو الذي أوحى بها إلى الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) عبر جبريل، أمين الوحي، وقد نقل الرسول هذه الأسماء إلى الصحابة بعد أن أوحي بها، وقد ثبتت هذه القاعدة في كتب الحديث والتفسير عنها، ومن بينها كتاب “الاتقان” للسيوطي.
ومع ذلك، هناك رأي آخر يفيد بأن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) تمكن من تسمية السور بموجب إلهام الوحي، أي أنه لم يتلق تلك الأسماء مباشرة من جبريل، وإنما جاءت إليه من خلال وحي الله عليه. وهذا الرأي قد ذُكر واقتُبِس من بعض العلماء.
بغض النظر عن الرأي الذي يُعتمد، فإن تسمية السور في القرآن الكريم تظل قضية تعكس العمق والجمالية في فهم النصوص الدينية، وتبقى محل دراسة واهتمام لدى العلماء والمفكرين في مجال الدراسات الإسلامية.

هل ترتيب أسماء سور القرآن توقيفي؟

يتحدث فضيلة الشيخ عبد الخالق الشريف، واحد من الدعاة والفقهاء المرموقين في مصر، عن جوانب مهمة تتعلق بتسمية السور القرآنية. يبدأ الشيخ الشريف بتسليط الضوء على أن تسمية السور في القرآن تحمل دلالات عميقة، مشيراً إلى أن بعض العلماء يعتبرون هذه التسميات توقيفية، بينما يعتبرها البعض الآخر توفيقية، مؤكداً في الوقت ذاته أن الفهم الصحيح لهما يدل على معنى واحد.
يربط الشيخ الشريف هذا النقاش بأن النبي محمد ﷺ قد يكون أوقف على أسماء السور، أو أن الوحي وفقه في ذلك. ومن بين السور التي يثيرها اهتمامه، يأتي سورة البقرة. يُذكر بأن هذه السورة تحمل أهمية خاصة، إذ تحتوي على آية الكرسي التي تُعتبر أفضل آية في القرآن الكريم، وكذلك آيتان منزلتان من كنز تحت عرش الرحمن، بالإضافة إلى أطول آية في القرآن وهي آية الدين، وحديث طويل يتعلق بمواضيع متنوعة.
على الرغم من هذه الأهمية البالغة، فإن السورة لم تُسمَّ بأي من هذه الأسماء البارزة التي تعكس محتواها. بل سُميت باسم “البقرة”، والتي تشير إلى الحادثة التي جرت بين موسى عليه السلام وبني إسرائيل، حيث جادلوه وعصوا أمر الله.
يشير الشيخ الشريف إلى أن تسمية هذه السورة بهذا الاسم قد تكون تحذيراً للمسلمين من الوقوع في منهج الجدل الذي تبنته اليهود، والذي انتهى برفضهم لأمر الله بالطاعة، وتأكيدهم على العصيان.
وفي ختام حديثه، يُذكر الشيخ الشريف بأن القرآن الكريم يعالج حواراً مع اليهود بطريقة مختلفة عن تلك التي تجدها في معظم سور القرآن الأخرى. ويرى أن هذا النقاش يعكس تفرُّده في التعامل مع موضوع اليهود، مما يبرز تنوع وعمق الرسالة القرآنية.
في سورة البقرة من القرآن الكريم، يبدأ الحديث بعد الإشارة إلى خلق آدم ونزوله إلى الأرض مباشرةً ببني إسرائيل، دون الإشارة إلى قصص الأمم السابقة كقوم نوح وعاد، وهو نمط يتكرر في العديد من سور القرآن. ينطلق الحديث عن بني إسرائيل بتذكيرهم بنعم الله عليهم وبمسؤوليتهم تجاه العهد الذي قطعوه مع الله، وبالحث على الإيمان بالوحي وتقديم الشكر لله والابتعاد عن الكفر والاستنكاف. تتضمن الآيات من 40 إلى 46 من سورة البقرة هذه التوجيهات والنصائح.
في سياق معرفة أركان الإيمان، والتي تشمل الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، كما جاء في الآية 177 من سورة البقرة، يمكننا إلقاء الضوء على تصرفات بني إسرائيل ومواقفهم تجاه هذه الأركان. فقد استبدلوا عبادة الله بعبادة العجل، وجعلوا عزيراً ابناً لله، مما يعكس انحرافهم عن العقيدة الصحيحة. بالرغم من وجود أمم أخرى قد انحرفت عن الدين واتخذت آلهة من دون الله، إلا أن سلوك بني إسرائيل كان متطرفاً، حيث وصفوا يدي الله بأنها “مغلولة” واتهموا الله بالجبن والفقر، وأدعوا أنهم أغنياء وهو فقير. تجاوزت هذه التصرفات حدود الفجور والإثم، ولم يسبق لأي أمة أخرى أن تجاوزت الحدود بتلك الطريقة في التجني على الله.
ويشير القرآن إلى مواقف مشابهة لهذه السلوكيات الهدامة في التوراة المحرّفة التي تُدَّعى من قبل اليهود، حيث يصفون الله بالعيوب ويجعلونه إلهًا خاصًا بهم فقط، وينكرون ربوبيته للخلق الآخرين. يُظهر هذا التصرف الخطير انحراف اليهود عن العقيدة الصحيحة وتجاوزهم للحدود في إهانة الله وتعديهم على حقوقه.
في النهاية، يدعو القرآن إلى الحكمة والصبر والتقوى، ويؤكد على أهمية الرجوع إلى الله بخشوع وتقدير. إنه نص رباني يوجه الناس إلى الحق ويحذرهم من الباطل، ويذكرهم بأسماء الله الحسنى وصفاته الكمالية التي لا تتناقض مع الجبارة والعظمة.
بالنسبة لفهم اليهود للدار الآخرة، فإن القرآن يذكر أنهم يأملون في نعيمها دون عذاب، مما يعكس اعتقادهم في أنهم الأمة المحظوظة بالدخول إليها. وتعبر آيات من القرآن، مثل الآية 111 في سورة البقرة والآية 80 من نفس السورة، عن هذا الاعتقاد الذي يتجلى في أمانيهم.
أما بالنسبة للملائكة، فالقرآن يذكر موقف جبريل عليه السلام كمندوب للرسالة الإلهية، مما يبرز دورهم في نقل الوحي وتوجيه الرسالة الإلهية إلى البشرية، كما هو مبين في الآية 97 من سورة البقرة.
وفيما يتعلق بالكتب السماوية، فالقرآن ينبّه إلى تحريف بعض الكتب السماوية وشراء البعض للحق بثمن زهيد، مما يظهر في الآيات المشار إليها.
أما بالنسبة للأنبياء، فالقرآن يشير إلى تجاوز اليهود حدود الكفر والعداء للأنبياء، حيث يتكرر رفضهم للرسل وقتلهم لبعضهم، كما في الآية 70 من سورة المائدة.
ويظهر القرآن كمصدر يحذر المسلمين من الوقوع في الفتن والاختلاط بمن ينشر الكفر والعداء للرسل والمسلمين، ويدعو إلى الابتعاد عن التعامل معهم وتحذيرهم من أرض فلسطين.
بهذه الأفكار والتحليلات، يستنتج القارئ عمق الرؤية الإسلامية لمفاهيم الدار الآخرة، الملائكة، الكتب السماوية، ودور الأنبياء، والحاجة إلى الحذر في التعامل مع من يتعارض مع قيم الإيمان والدين.
في فتاوى الشبكة الإسلامية في قطر، تم ذكر أن أسماء السور في القرآن كانت معروفة ومشهورة في عهد رسول الله ﷺ، حيث تمت تسميتها وفقاً لما جاء في الأحاديث. ففي صحيح مسلم وغيره، يُسلط الضوء على تسمية السور التي كان النبي ﷺ يستخدمها، حيث ذكر النواس بن سمعان الكلابي أنه سمع النبي ﷺ يشير إلى سورة البقرة وآل عمران بالإضافة إلى توقيفه عند قراءتها في يوم القيامة.
وأيضاً في هذه الفتاوى تم ذكر حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه الذي ينصح بقراءة سورة البقرة في المنازل لدفع الشيطان. كما ورد عن حذيفة أنه كان يصلي خلف النبي ﷺ ويستمع إلى قراءته للسور، مما يبرز أهمية قراءة هذه السور.
وفي الصحيحين، تم ذكر قصة رجل أراد الزواج ولكن لم يكن لديه مال، فسأله النبي ﷺ عن مقدار القرآن الذي يملكه، وعندما علم أنه يجيده جيداً، أعطاه إذناً للزواج مستنداً إلى قدرته على قراءة القرآن.
وأخيراً، في صحيح البخاري، يُذكر أن ابن مسعود رضي الله عنه أشار إلى أسماء السور وأكد على أنها من التعليمات التي تلقوها من النبي ﷺ.
وبناءً على ما ورد في هذه الفتاوى، يمكن التأكيد على أن تسمية السور في القرآن كانت بأمر من النبي ﷺ وبتعليمه مباشرة، وهو ما أكده السيوطي في كتابه “الإتقان”، مشيراً إلى أنها تعتبر توقيفية، وهو ما تؤكده الأحاديث والآثار.
اقرا ايضا:
تابع بلادنا 24 على Bladna24 News

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *