تقاريرثقافة وفنمجتمع

“يخلق من الشبه مدينتين” | فاس الزاهرة وحلب المدمرة

تحلو المقارنات بين الدول العربية لما يجمعها من خصائص ومزايا توحي بأوجه التشابه والتماثل في كثير من الخصوصيات التي تجمع بينها من حيث اللحمة والسدى إذ يخلق لنا هذا النسيج شكلا يماثل في صوره وأشكاله وعمرانه مدينة تلتحم مع المدينة الأخرى كما تتماثل أوجه الشبه بين فاس المغربية ومدينة حلب السورية فكلاهما وجه يشابه الوجه الآخر في جماله ورونقه تاريخا وإبداعا وفنا.

 

الجانب الروحي

تضرب حلب بجذورها إلى ما قبل التاريخ، فمن الصعب تحديد نشأتها الأولى بسبب ما مر عليها من عاديات الزمن كما أنها خربت على فترات وجرى إعادة بنائها وهو ما يجعل عملية استقراء آثارها شاقة إن لم تكن مستحيلة، لكن الحقيقة المؤكدة أنها مدينة غرقت في التاريخ، وبقيت سنديانة مثمرة وافرة الظل تغوص جذورها عميقا في عمق االزمن.

كانت حلب مدينة ذات طابع اجتماعي وديني كبيرين، وهو ما يفسر استمرارية الحياة فيها فلم تتحول إلى مدينة ميتة رغم فقدها قوتها وكيانها السياسي في ظل الامبراطوريات التي توالت عليها.

واحتفظت حلب بهذه المكانة الدينية وهو ما يفسر بقاءها، إذ يرى البعض تحديها للدمار ناجما عن كونها مدينة مقدسة فهي معقل الإله الحلبي “حدد”، كما أن الغزاة لم يفرضوا آلهتهم على سكان حلب بل العكس من ذلك هم من كانوا يتقربون من الآلهة الحلبية، وحتى عند مجيء الإسلام  ظلت مركزا دينيا وما تزال أغلب مساجدها وزواياها وتربها تحمل قبورا “مقدسة” يقصدها البعض للتبرك ونيل غايات معقدة واستجابة الدعاء.

كما هو الشأن في الحديث عن مدينة فاس منذ أن أسسها المولى ادريس لتبقى على مر العقود منارة من منارات الدين والفكر والأدب بغض النظر عن البعد السياسي آنذاك، وهي على هذا النسق تعتبر من كبريات المدن المغربية على المستوى الديني والعلمي والفكري حيث ارتبطت بأول جامعة يشار إليها بالبنان جامعة القرويين منذ تاسيسها على يد فاطمة الفهرية وبذلك اكتسبت فاس صبغة روحية ودينية عبر اشعاعها الفكري المنتشر في كافة الأرجاء فعراقة فاس على الرغم من نشأتها أسوة بمدينة حلب فقد تبوأت هذه المنزلة التي يهفو إليها علماء وأدباء المشرق والمغرب.

وكذلك الحال بالنسبة لمدينة حلب فقد كانت بيئة خصبة لنمو الأفكار الدينية قديما وحديثا وأقصد بالحداثة منذ أن أصبحت عاصمة للدولة الحمدانية فضمت في رحابها العلماء والأدباء والفلاسفة واللغويين وكذلك الموسيقيين الذين برعوا في مضمار الموسيقى كبراعتهم في سائر أشكال المعرفة.

وفاس منذ تأسيسها شملت الديانات الثلاث وجمعت تأثيرات الشرق والأندلس وغيرها وأبهرت العالم بعلومها وفنونها ومآثرها التاريخية لتغدو لأكثر من الف عام عاصمة المغرب العلمية والروحية وأهم وأعرق مدنه على الإطلاق وهذا ما يسري على مدينة حلب من حيث القيم الدينية والروحية فقد عاش المسلمون واليهود والنصارى جنبا إلى جنب طيلة قرون عديدة في انسجام وتوافق في بيئة عرفت بالتسامح الديني يفسر بكثرة الكنائس والكاتدرائيات التي ماتزال إلى الآن شاهدة على التجانس والتوافق بين أهل حلب بحيث لا يميز الفرد المسلم عن باقي الديانات الأخرى وقد ضرب لنا التاريخ أمثلة عن التسامح الديني لدى النصارى في زمن المجاعات التي ضحى رهبانهم بكثير من الصلبان الثمينة لشراء الخبز وتوزيعه على العامة مسلمين ومسيحيين.

 

خصائص متشابهة

وتضم أحياء حلب العديد من الفعاليات الدينية والثقافية والاجتماعية وغيرها، فتقام في المساجد مثلا احتفالات جماهيرية دورية في مناسبات سنوية كما هو الشأن في ذكرى المولد النبوي، وليلة النصف من شعبان، والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان والكثير من المناسبات الدينية الأخرى التي يجتمع فيها الناس وسط الساحات ليشاهدون فتلة المولوية وما يصاحبها من موشحات وقدود وأناشيد دينية.

وتشهد صبيحة العيدين زحمة في المقابر إذ يتوجه ساكنة حلب لزيارة موتاهم، وقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وتتلى دعوات بالرحمة والمغفرة على الأحياء والأموات، وقد يجانب المسجد أو الحي أو المقبرة مزار لأحد الأولياء الصالحين يتبرك به العامة، وهذا على سبيل المثال لا الحصر إذ تتعدد أمكنة وأزمنة الاحتفالات التي تخلق جوا من الألفة والمحبة، كما تضفي مواكب الأحزان طيفا من التعاطف الوجداني وشعورا عاما يسود الحي، فهو لا يخص المعني بالأمر وحده فإما فرح الجميع أو ترح الجميع.

هذه جميعها كانت تتسم بها الأحياء العتيقة التي كانت معدة أساسا لاستيعاب كل هذه المظاهر بنسب مدروسة، لكن مع ظهور الأحياء الحديثة بات السكون والعزلة يستشري ضمن المجتمع الحلبي، وغدت الأحياء الحديثة تتكون من مجرد بيوت معدة للنوم، لكنها مع ذلك أضفت لمسة من التناغم ما بين الماضي والحاضر، والقديم والحديث، والأصيل والمعاصر، والأمس واليوم، في مشهد يشبه بالأم الحاضنة لأبنائها فشكلت لوحة تراثية معمارية متماسكة.

 

البيوت العتيقة .. لوجات فنية

 

هناك من يرجع تماسك البيوت الحلبية إلى أن الأبنية مشيدة من الحجر، فبنيت البيوت بتمازج جمالي بين الفن الهندسي الدقيق ومتانة العمارة الشامخة، وتعد هذه البيوت من أهم معالم حلب الحضارية وشاهدة على تقدم فن العمارة بها، وهي تمتاز بباحاتها الشاسعة وأسقفها المطرزة،علاوة على النقش على الحجارة بزخارف بديعة.

وكذلك الحال فيما اتصفت به مدينة فاس منذ النشأة إلى الآن، فالفاسيون المتشبعون بقيم الأصالة يعيشون في منازل تقليدية شبيهة للبيوت العربية في بلاد الشام، كما أن التأثيث شبيه بتحف خشبية، كما توجد في هذه البيوت مكان مخصص للمؤونة وهو ما يسمى في حلب “بيت المونة” يذخر فيه ما يعين على قضاء فصل كامل أو أكثر.

تضم أزقة فاس القديمة واجهات المنازل على جانبيها التي تحجب مظاهر الثراء عن عيون زوارها، كما أن نوافذها محكمة الإغلاق، وتتسم بصغر حجمها ومزينة بالتشبيك لتساعد النساء آنذاك اللائي لم يكن يظهرن بشكل تلقائي على الغرباء، والنظر من خلالها أولا قبل فتح الباب.

البيوت القديمة في فاس والتي تنحدر إلى العصر الأندلسي وعهد المرينيين تتسم هندسة مداخلها بأنها لا تسمح للزائر بالنظر مباشرة إلى مكوناته وهو ما جرت عليه البيوت في حلب إذ لا بد أن يمر الزائر عبر الردهة وهو ممر طويل وضيق نوعا ما فكلما تقدم في خظواته كلما اتسع الفضاء أكثر وفي ذلك محافظة على خصوصية المنازل وساكنيها.

فضاء رياض فاس يجرى توزيعه بشكل تناظري متواز بشكل تام، يقسم إلى جزأين متواجهين لكل واحد باب كبير مصنوع من الخشب، وعند إلقاء نظرتك الأولى تشاهد حنايا مستوحاة من الثقافة الأندلسية برز من خلالها صانعوها كل إتقان وإبداع وجمال في رصف الزليج بطرق فنية ونقش على الحجر.

كما تشترك فاس ومدينة حلب فيما يسمى بالأبواب التي كانت تسد عند كل مساء أو في حالات الخطر الذي يداهم الساكنة ففي حلب عدة أبواب كباب الحديد وباب انطاكيا، وفاس أيضا تضم أبوابا عدة ومنها باب الحديد ولكل باب خصوصيته وهدفه مما يجعل المدينتين كأنهما توأمان شكلا ومضمونا فعندما تمشي في شوارع فاس كأنك تمشي في شوارع حلب قديمها وحديثها.

 

بين فنين

 

لفاس تاريخ عريق في الفن والموسيقى والمدائح كعلامة مميزة على الذوق الرفيع التي امتاز به الفاسيون عبر موسيقاهم الأندلسية أو فن الملحون أو غيره من الفنون أو الفلكلور الذي تميزت به المدينة، وحلب كما يقولون “أم الغناء والطرب” ففيها الجوقات الموسيقية، والقدود والموشحات الحلبية بجميع أشكالها وألوانها فكأنها صورة ناطقة عما تمتاز به فاس من أذواق وجماليات لا حصر لها، حتى أن هذا الفن انعكس على عاداتهم وتقاليدهم ومواضعاتهم الاجتماعية سواء في أعراسهم أو أفراحهم وأتراحهم فمظاهر التشابه واضحة في الملبس والمأكل والمشرب فلا اختلاف في النوع ولكن الاختلاف في درجة هذه الأشياء فما يوجد في حلب من موسيقى يماثله ما يوجد في فاس سواء في الأعراف والعادات والتقاليد أو في الأزياء وحب الأشياء النفسية التي تضفي على المدينة طابعا جماليا خاصا وقد انسحب هذا التشابه على العرق والشكل فالمرأة الفاسية نموذج للمرأة الحلبية في الحسن والجمال والذوق واللباقة وكثير من الوجوه الفاسية تتشابه بالوجوه الحلبية ولا غرابة في ذلك لكل من رأى وشاهد.

لعل أوجه التشابه هذه تدعونا إلى طرح سؤال حول هاتين المدينتين كيف كانتا وكيف أصبحتا ؟ فما تزال مدينة فاس قائمة على مجد عريق وماض سحيق يذكر بخلود هذه المدينة في وجدان المغاربة وضمائرهم مما يبعث فيها الحياة والانسجام والتطلع إلى منزلة عالية بين حواضر العالم الإسلامي وحلب على الرغم مما أصابها في السنوات العشر الماضية من تدمير وخراب بفعل عوادي الدهر ومصائبه ماتزال تحمل في مأساتها ماضيها المشرق وتاريخها المجيد ولسوف تنهض من جديد ناشرة عراقتها وأصالتها لكي تعانق أختها فاس على صعيد العطاء والنقاء والصفاء.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال رصين كأصلالة حلب و فاس . مقارنة ذكية و بديعة يميزها كل من يعرف كلا المدنتين و زارهما و مشى بأزقتهما و شوارعهما و غرف تاريخها. و من حسن حظي انني من جملة هؤلاء فأنا حلبي الاصل و زرت فاس مرات عديدة و تحولت بها بجسدي و روحي و فكري منذ سبيعنيات القرن الماضي .كنت ارى تشابها صارخا بين المدينتين الى حد مذهل استطاعت كاتبة المقال ان تبرز كل معالم التشابة من حيث القدم و الاصالة التاريخية المتراكمة عبر عهود مختلفة شملت فن العمارة و الفن و الغناء و العلم ووالادب و تجولت في عالم التسامح الديني الذي ميز هاتين المدينتين على مر العصور..و لم تنسى الكاتبة الحديث عن اهل المدينتين و اللباس و جمال النسوة في كليهما..اختم تعليقي بالقول ان هذا المقال يمكن ان يعتبر وثيقة تاريخية تفارن بين مدينة مشرقية بأختها المغربية و كان النجاح و التوفيق حليفها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى