الجاليةالرئيسيةتقارير

هروب من الحرب إلى المجهول..شهادات صادمة لمغاربة عايشوا اللحظات الأولى للاجتياح الروسي على أوكرانيا

“كسرت أصوات الانفجارات سكون الحركة، واستيقظنا على الساعة الرابعة فجرا مذعورين، كان شعورا صعبا للغاية” هكذا يصف عيسى عبو اللحظات الأولى للحرب في حديثه مع “بلادنا24″، منذ بدء العمليات العسكرية التي شنتها القوات الروسية في 24 فبراير الماضي.

 

بعد إعلان الرئيس الروسي الحرب على أوكرانيا بسبب ما برره بـ”تجريدها من السلاح وإزالة أثر آلنازية منها”، بدأ القصف على عدة مواقع في البلاد، وأطلقت صافرات الإنذار في  العاصمة الأوكرانية “كييف”، لتعلن وقوع الكارثة التي هزت العالم أجمع، فالكل مترقب، وتساؤلات كثيرة تفضي إلى جواب واحد ” هل نحن حقا على شفا حرب عالمية ثالثة تهدد البشرية بالزوال ؟”.

 

لا تقتصر أوزار الحروب على القتل والدمار، وتشريد الناس من بيوتهم ومساكنهم، ولا تقتصر على تهديم البنى التحتية، والمرافق العامة، والانجازات المادية التي تقوم عليها مصالح الدولة في جميع الميادين بل ما تخلفه  هذه الحروب نهاية دولة وموت أمة ،وما يثير الشفقة ويستدر العطف والتأثر الذي يثير المشاعر الإنسانية حول موقف، أو منظر، أو صورة توحي بعمق المأساة، وكم من قصة حدثت في خضم هذه الحروب الضروس التي لا تبقي ولا تذر.

 

ويشكل كل فرد بحد ذاته قصة، تحكي المأساة والمعاناة تحت القصف، والنار ،من مشهد طفل يبكي أو امرأة تجري خلف ولدها أو أسرة ضعيفة متهالكة، أو جندي جريح يبعث رسائل أو يهاتف أهله قبل الوداع ،شيء محزن ويلهب مشاعر الناس عبر الشاشات، أو من خلال ما يُحكى ويُقال.

 

إن مشاهد الطلبة المغاربة وأهاليهم  وهم يترقبون الأحداث الجارية في أوكرانيا بحرقة تُدمي القلب وتدعو إلى التضامن ومد يد العون لمساعدة هؤلاء الذين غادروا الأهل والوطن طلباً للعلم في ديار الغربة والمعاناة، ليوجدوا أنفسهم فجأة في أتون حرب عاتية بين هدير المدافع وقصف الطائرات، ودوي القنابل، وإراقة الدماء.

 

العزلة في ماريوبول

 

 

في مدينة ماريوبول المحاصرة، تعيش أسرة ياسين التجاني الإدريسي  المكونة من ثلاثة أفراد “أب يعاني الصم والبكم”، و”أم تواجه صعوبات في السمع”، وطفل في الخامسة من عمره لا يفقه شيئا عن معنى الحرب.

 

 

تشهد المدينة منذ بدء الغزو الروسي  حصارا على جميع منافذ ومداخل المدينة، فلا يقدر أحد على الخروج منها وهو ما صرحت به قريبة الأسرة لـ”بلادنا24″ قائلة: ” حاولوا الاتصال بالسفارة دون أن يتوصلوا بأي رد، فهم يبحثون عن معبر آمن للوصول إلى القطار كي ينقلهم إلى الحدود”.

 

تعرضت المدينة التي يبلغ عدد سكانها حوالي نصف مليون نسمة، لقصف عنيف، بحسب رئيس البلدية “فاديم بريكينكو”، مؤكدا ” بأنها تواجه قصفاً مكثفاً من القوات الروسية تسببت في خسائر بشرية فادحة”.

 

 

وتحكي أخت ياسين  بنبرة حزينة يملؤها الأسى والحزن تفاصيل المعاناة، قائلة:” في اليوم الثاني من الحصار، قُطع الضوء، وبات الاتصال بهم يقل شيئا فشيئا لكن ما يروي خوفنا حينما نقرأ رسالة منه يقول فيها كلمة واحدة “لابأس”، لكن إحساسنا يشي بوجود بأس ما، إلا أننا لا نريد أن نفكر كثيرا”.

 

ومازالت العائلة إلى حدود كتابة هذه الأسطر ترضخ تحت الحصار من  طرف القوات العسكرية الروسية، ولا مفر من الواقع، فكل جهات المدينة مغلقة، ما عدا بصيص الأمل الذي يستمد من خلاله ياسين وعائلته طاقتهم”.

 

 

سوء الأوضاع هناك، دفعت وزير الخارجية الأوكراني ديمتري كوليبا إلى المطالبة بفرض عزلة دولية كاملة على روسيا التي وصف ما تقوم به بـ”الهمجية” خصوصاً على مدينتي خاركيف وماريوبول.

 

وتابعت سرد قصة المعاناة بالقول: “اتصلنا بالسفارة الأوكرانية بالمغرب، أجابت وقتها بأنها سترسل “إيميل” للسفارة المغربية بكييف، وستحاول الاتصال بهم، ولكن إلى حدود الساعة لم يتم الاتصال بهم، وهم الآن يعيشون وضعاً سيئاً بانعدام وسائل النقل، وكذا المتاجر خالية من المواد الغذائية” مضيفةً: ” نحن قلقون جدا على أخي إذ يعاني من البكم والصم، وزوجته أيضا تعاني من مشاكل في السمع، ولديهم طفل في الخامسة من عمره بحاجة إلى الأمان كما هم أطفال أوكرانيا وأسرهم”.

 

رحيل بلا وداع

 

مع بداية التصعيد الروسي على أوكرانيا، سارع المغرب من خلال سفارته بكييف، وسفارات الدول المجاورة بإطلاق نداءات لرعاياها بضرورة مغادرة البلاد وهو ما طالبت به الخارجية المغربية، خاصة رعاياها من الطلبة الذين انتقلوا للعيش في أوكرانيا بهدف إكمال دراستهم.

 

عيسى عبو طالب مغربي يقطن بأوديسا، ويدرس في السنة الثالثة بالهندسة المعمارية يحكي تفاصيل ما عاشه منذ اللحظات الأولى لإعلان الهجوم الروسي على أوكرانيا في تصريح خص به جريدة “بلادنا24″.

وفي هذا الصدد يقول عيسى:” تلقيت الخبر بصدمة كما جميع الطلبة الذين يدرسون بأوكرانيا، في البداية لم نتوقع صراحة أن تؤول الأحداث إلى ما آلت إليه، عشنا أوقاتاً عصيبة،  حينها لم نكن نفكر بأنفسنا فقط، بل أيضا شعرنا بخوف ذوينا”.

 

ويمثل الطلبة المغاربة ثاني أكبر جالية طلابية تدرس في الجامعات الأوكرانية بعد الهند بتعداد 8800 طالب، وجهوا قبلتهم نحو جامعاتها نظراً لسهولة ولوج شعب “الطب، والهندسة” التي تتطلب معدلات عالية في المغرب بالمقارنة مع أوكرانيا، علاوة على انخفاض تكاليف الحياة مقارنة مع بلدان أوروبية أخرى والتي لا يقدر على تحمل أعبائها الطلبة في مقتبل العمر.

 

ويبقى هم الطالب الوحيد في ظل الحرب بعد ضمان سلامته وحياته، التفكير بمستقبله الذي دفع من أجله ثمن الابتعاد عن وطنه، وأهله، وآثر السفر إلى بلاد بعيدة طلباً للعلم، وضماناً لمستقبل زاهر ينتظره في بلده، يواصل عيسى كلامه،قائلا: ” شعرنا بالخوف من ضياع مستقبلنا، حينها تواصلنا مع الجامعات، حاولوا في بادئ الأمر طمأنتنا، في حين لجأت جامعات أخرى إلى وعيد الطلبة الذين أرادوا مغادرة البلاد بفصلهم من الدراسة، وفضلنا وقتها الصمود متضرعين إلى الله أن تمر الأزمة دون خسائر”.

 

 

تضاربت حينها التصريحات، في البداية نهجت الحكومة الأوكرانية سياسة التطمين بأن الأمور تحت السيطرة، كما عاندت بعض الجامعات في أوكرانيا واقع الحال، وحذرت طلبتها من عدم المغادرة تحت طائلة الفصل من الدراسة، لكن في المقابل كانت تحذيرات الدول الأخرى تجدد مخاوف الطلبة الذين فرض عليهم قسرياً واقعاً جديداً، لا يُزهر فيه أي مستقبل واعد نذروا من أجله حياتهم المهددة.

 

تابع عيسى شهادته، قائلا :” لم يطل تفاؤلنا كثيرا، إذ كسرت أصوات الانفجارات سكون الحركة، واستيقظنا على الساعة الرابعة فجراً مذعورين، كان شعوراً صعبا للغاية، كما تقاسم الأهل والأصحاب بالمغرب إحساسنا بالخوف والذعر، وبحجم الانفجارات التي كنا نسمعها في الخارج، كان الهاتف يستقبل وابل المكالمات والرسائل التي تسعى للإطمنان، فالجميع مُصاب بالخوف مع توقع أسوأ الاحتمالات”.

 

لم يكن الوقت كافياً للرد على جميع المكالمات، فالوقت له قيمة عالية أو بالأصح غالية في ظل الحروب، وكل خطوة استباقية تعود بالنفع على صاحبها، أو ربما بالنفع على حياته، هكذا كان تفكير عيسى ومن معه من الطلبة الذين استبقوا وقوع الكارثة واتفقوا على النزوح إلى الحدود.

 

وإلى حدود الساعة جرى إجلاء 5000 مغربي من أوكرانيا عبر ممرات برية، من خلال مساعي وجهود السفارات المغربية، وكذا وزارة الخارجية التي أوفدت نحو عشرين موظفا قنصليا لدعم أطقم السفارات التي تعمل بشكل ميداني، ومستمر لاستقبال المغاربة الوافدين من البلدان المجاورة.

 

استقبلت مدينة إزمايل الطلبة بحسب عيسى عبو ونظرا لضغط حركة السير أكملوا طريقهم مشيا على الأقدام، لعل ذلك جعلهم يتحملون برودة الطقس، وربما الخوف كذلك فهو يبعث في النفس لهيبا يثقل النفس، وبعد ثلاثة ساعات من الانتظار حملهم القارب إلى رومانيا، محملا أيضا بآلامهم، وآمالهم بالرجوع إلى مستقبلهم.

 

استقبلت مدينة إزمايل الطلبة بحسب عيسى عبو ونظرا لضغط حركة السير أكملوا طريقهم مشيا على الأقدام، لعل ذلك جعلهم يتحملون برودة الطقس، وربما الخوف كذلك فهو يبعث في النفس لهيبا يثقل النفس، وبعد ثلاثة ساعات من الانتظار حملهم القارب إلى رومانيا، محملا أيضا بآلامهم، وآمالهم بالرجوع إلى مستقبلهم.

.

 

استقبلت مدينة إزمايل الطلبة بحسب عيسى عبو ونظراً لضغط حركة السير أكملوا طريقهم مشياً على الأقدام، لعل ذلك جعلهم يتحملون برودة الطقس، وربما الخوف كذلك فهو يبعث في النفس لهيباً يثقل النفس، وبعد ثلاثة ساعات من الانتظار حملهم القارب إلى رومانيا، محملاً أيضا بآلامهم، وآمالهم بالعودة إلى مستقبلهم.

 

 

“افترشوا الأرض، والتحفوا السماء” هكذا ظل عيسى ورفاقه منذ الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الواحدة من زوال اليوم التاني، أردف عيسى،قائلاً: “تواصلنا مع السفارة المغربية في رومانيا، وقامت بواجبها على أكمل وجه، وبعدها انتقلنا إلى العاصمة الرومانية، وهناك وجدنا الكثير من المتطوعين الذين فتحوا بيوتهم لاستقبال الطلبة”.

 

 

لم تكن الوجهة الحقيقية عبور الحدود إلى مكان أكثر أمنا، فالأمان الحقيقي للطالب هو الرجوع إلى حضن عائلته التي تعيش الرعب، والخوف على فلذة كبدها، لكن الرجوع في وقت الأزمات تكون كُلفته عالية، ليست فقط من الناحية النفسية، والأمنية، وإنما أيضا من الناحية المادية، إذ تتحقق مقولة ” مصائب قوم عند قوم فوائد” فالفائدة هنا تعود على شركات الطيران التي استغلت الحاجة إلى الوصول إلى بر الأمان، وعبر عيسى عن ذلك بقوله: “أغلبية الطلبة يعانون من قلة مواردهم المادية، ورغم ذلك جميع تكاليف السفر على الطالب، والحجز في هذا الظرف مكلفٌ جدا، والمغرب وقتها أمن رحلة واحدة فقط، وعند الحجز نجد كل المقاعد شاغرة”.

 

وتجدر الإشارة، إلى أن رحلات إجلاء الطلبة المغاربة انطلقت يوم الأربعاء 2 مارس، كما برمجت شركة الخطوط الملكية خمس رحلات جوية أخرى لتعزيز عملية الإجلاء، وبسعر ثابت يقدر بـ 750 درهم شامل لجميع رسوم السفر أي ما يعادل قرابة 80 دولار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى