دوليسياسية

في ظل تذليل الأمريكان..هل سينقذ فلاديمير بوتين إفريقيا من استبداد الغرب ؟

 

شكلت خطوة الهجوم على أوكرانيا مناسبة لإحياء أمجاد روسيا، وإثارة المخاوف العالمية، من تغيرات عدة تلوح في الأفق، ستشهدها الخريطة السياسية في القادم من الأيام، وهو المشهد الذي ستتباين فيه مصالح الدول التي تربطها علاقات مباشرة بالدول المعنية، بحيث سيستفيد بعضها، بلاشك، من آثار الحرب الروسية الأوكرانية، في حين يحتمل أن يتخبط البعض الآخر بتداعيات غير منتظرة.

وهو ما أكده الخبير في العلاقات الدولية، أحمد نور الدين، في تصريحه ل”بلادنا24″، بأن الحرب الروسية على أوكرانيا ستشكل نقطة تحول في النظام العالمي، القائم على أحادية القطبية منذ سقوط جدار برلين سنة 1989، محتملا في السياق ذاته، أن تصرفات الولايات المتحدة، كحاكم أوحد للعالم، وتنصلها من التزاماتها، وانسحابها من اتفاقيات دولية، وغزوها عسكريا لدول خارج قرارات مجلس الأمن، أو حصار دول اخرى بنفس المنطق، سيعجل من تصاعد تبرم حلفائها وخصومها على حد سواء.

التدخل الروسي نتاج لنقض عهد

وقال الخبير في العلاقات الدولية إن ما نشاهده في أوكرانيا، ،دون السقوط في تبرير قرار بوتن، هو نتيجة الإمعان في إهانة موسكو من خلال التنصل من كل التعهدات التي قطعها الغرب بعدم توسع حلف الناتو شرقا، وعدم نشر منظومة الصواريخ المتوسطة، والقصيرة الأمد، بالإضافة إلى طرد روسيا من مجموعة G 7 للدول الصناعية الكبرى، وفرض عقوبات اقتصادية عليها، وصولا إلى ضم جمهوريات البلطيق السوفييتية سابقا إلى الحلف الأطلسي.

استنهاض الهمم بعد النكسة

وأضاف أنه، وبعد استعادة موسكو لبعض عافيتها، تحركت لمنع ضم ما تبقى من الجمهوريات السوفييتية، فتدخلت عسكريا سنة 2008، على سبيل المثال، في جورجيا، وصنعت بداخلها جمهورية أوسيتيا الانفصالية، ثم ضمت شبه جزيرة القرم سنة 2014، وأردف قائلا: “وبين هذا وذاك، حاولت فتح جبهات جديدة لمواجهة الغرب، في حرب غير تقليدية، استخدمت فيها سلاح المرتزقة، وأدوات الجيل الرابع من الحروب، كشبكات التواصل الاجتماعي، والهجمات الإلكترونية، وقنوات التلفزيون الفضائية بكل اللغات، وغيرها”، وأضاف، “كان من بين بؤر تلك الحروب، إفريقيا الوسطى، وسورية، وليبيا، ومالي”، موضحا بأن الهدف هو استعمال أوراق للضغط على الغرب، لإعادته إلى تنفيذ التزاماته السابقة مع موسكو سنة 1997، والاعتراف له بمنطقة نفوذ في محيطه المباشر، وأوكرانيا هي قلب هذا المجال الحيوي لروسيا.

وأشار أحمد نور الدين إلى أن واشنطن، رغم كل تلك المعطيات، تجاهلت مطالب روسيا، ورفضت التعهد بعدم ضم أوكرانيا إلى الحلف الأطلسي، وهو المطلب الرئيس لروسيا، وقدمت بشأنه ورقة من عدة نقاط في المفاوضات التي جرت في جنيف يناير 2022 مع الإدارة الأمريكية، لكنها لم تفض إلى نتيجة.

إهانة بوتن خط أحمر

وعن رد الفعل الروسي، قال أحمد نور الدين إنه، ودون الخوض في مواضيع الشرعية الدولية، والسيادة الاوكرانية، وحقها في الانضمام إلى الحلف، فإن موسكو اعتبرت ذلك خطأ احمر لعدة اعتبارات اقتصادية واستراتيجية، بالإضافة إلى اعتبار الرئيس بوتن ذلك بمثابة إهانة شخصية له، فكان الهجوم على أوكرانيا، لافتا إلى أنه، وقبل ذلك الهجوم، مر حدث دولي بارز، دون إثارة الكثير من الضحيج، وهو إعلان “الشراكة بلا حدود” بين الصين وروسيا، أثناء زيارة بوتن إلى بيكين، مطلع شهر فبراير، وقد صرح الرئيس الصيني في ذلك اللقاء، أنه يدعم مطالب روسيا بعدم ضم أوكرانيا لحلف الناتو، وفي المقابل أعلن الرئيس بوتن اعترافه بسيادة الصين على دولة تايوان.

ملامح سياسية مستحدثة

وجوابا على عن تداعيات غزو أوكرانيا على العلاقات الدولية، وتغير خارطة المصالح العالمية، أوضح المتحدث نفسه أن هذا الاعلان بين الصين وروسيا قبل ثلاثة أسابيع من غزو اوكرانيا، يوحي بأن تفاهمات استراتيجية قد تمت بين الصين التي تحاربها واشنطن في ميدان التكنولوجيا والاقتصاد، وبين روسيا التي تحاربها واشنطن في الساحة الطاقية، والأمنية، والاستراتيجية، مرجحا فرضية أن يكون بوتن قد ضمن الضوء الأخضر من الصين، قبل خطوته تجاه أوكرانيا، وأنه وفي المقابل، قد تكون الصين أخذت قرارها بغزو تايوان في وقت لاحق بموافقة موسكو، وهذا سيعيد ترتيب أوراق العالم، ويؤذن بميلاد نظام دولي على أنقاض نظام أحادي القطبية، أو نظام الامبراطورية الامريكية الذي يبلغ عمر ثلاثة عقود.

وعن ملامح هذا النظام، أبرز الخبير بأنها بدأت تتضح من خلال “الشراكة بلا حدود”، بين التنين الصيني والدب الروسي، والتي تشمل عقودا لتوريد الغاز الروسي للصين، لافتا إلى أن امدادات الطاقة، شكلت نقطة ضعف كبيرة بالنسبة لبكين التي تعتمد على الاستيراد، ومضيفا في الآن ذاته أن هذا التحالف بلا حدود، سيمتد إلى مجال الفضاء والمجال العسكري، وقد نظم البلدان أكبر مناورات عسكرية عرفها التاريخ سنة 2018.

امتدادات الحرب

وعلى المستوى الاقتصادي، قال أحمد نور أن التمدد الصيني في إفريقيا، وامريكا اللاتنية، سيشكل نهاية سيطرة الغرب التي تحدث عنها علنا رؤساء دول أوربية، في السنوات العشر الماضية، أما على المستوى الأمني، أوضح الخبير أن دخول روسيا إلى دول الساحل، وإلى إفريقيا الوسطى، هو نهاية تبعية المستعمرات السابقة للمتروبول الأوربي، كما أنه بداية للانكماش الاقتصادي والاستراتيجي لأوروبا، التي وجد رؤساؤها، المجتمعين ليلة الخامس والعشرين من فبراير، أنفسهم عاجزين عن اتخاذ عقوبات اقتصادية صارمة ضد روسيا، من قبيل منع كلي لاستيراد الغاز مثلا، الذي يشكل مصدرا مهما للاقتصاد الروسي، لسبب بسيط وهو أن أوروبا، التي تستورد أزيد من نصف احتياحاتها الطاقية من روسيا، لا يمكنها الاستغناء عن الغاز الروسي، وخلص المتحدث إلى أن هذا المعطى جعل القرار الأمريكي يعزل روسيا عن النظام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى