الرئيسيةثقافة وفن

غياب الدراما التاريخية بالمغرب.. و”تكلفة الإنتاج” كلمة السر

تُعتبر الأعمال التاريخية الزاهرة بعناصر التشويق والإثارة، من أهم الفنون لما تحمله من صراع وتنوع في المواقف التي يعبر عنها السيناريو أصدق تعبير، فهي تربط المشاهد المُتابع لأحداثها بالحدث الدرامي الذي يلاقي صدى واسعاً، وتأثيراً بالغاً خاصة عند الحديث عن تاريخنا وأمجادنا.
كما أن التاريخ العربي زاخر بهذه الدراما في نظر الكثير من الباحثين والسينمائيين، والتاريخ المغربي لا يختلف في هذا الصدد عن تاريخ المشرق في الاستفادة من الأحداث التاريخية المتنوعة والتي تجعل مادة الدراما بين أيدي المخرجين غنية على مستوى الأحداث، والإبداع أيضا.

وعلى الرغم من أن المغرب من حيث الطبيعة بيئة مناسبة لتصوير مثل هذه المسلسلات الدرامية، إلا أنها لا تلقى اهتماما بالغا من قبل القائمين عليها، إذ ذهب البعض إلى القول بأن الدولة “مقصرة” في إبراز تاريخ البلاد درامياً، رغم وفرة المبدعين، والأحداث الهامة والغنية التي مرت في تاريخ المغرب، فضلاً عن وجود ممثلين يتوفرون على طاقات هائلة لتجسيد مثل هذه الأدوار.

وتتميز ورزازات “هوليوود إفريقيا”، التي أذهلت صناع السينما في العالم، ودخلت البيوت العربية دون استئذان، بأعمال تاريخية جسدت ماض مجيد من التاريخ الإسلامي والعالمي، سلبت من خلالها “مدينة الهدوء” كما يدل اسمها بالأمازيغية ألباب أكثر المخرجين العالميين شهرة، وإبداعاً، إذ جسدت على أراضيها “فيلم الرسالة”، و”صلاح الدين الأيوبي” وغيرها الكثير، وهنا بات التساؤل ملحاً عن “أسباب غياب الدراما التاريخية رغم أن الجميع يتهافت لتجسيد تاريخه عبر أرض المغرب؟”.

إرضاء المستشهر غاية تدرك

في هذا الصدد صرح المخرج والسيناريست عز العرب العلوي لجريدة “بلادنا24″ بقوله :”الدراما التاريخية تعرف ركودا خطيرا جدا، لأن الدولة لا تأخذ باعتبارها الاهتمام بالتاريخ والرموز بقدر ما تستجيب للمستشهر، وهذا الأخير هو الذي يفرض شروطه على القنوات، وعلى الكثير من الأشياء التي تؤسس الفضاء السمعي البصري، وبالتالي حينما يقرر هو اتجاه الدراما المغربية نحو الكوميديا، ونحو مسلسلات اجتماعية إلى حد ما، يبتعد الاهتمام بالدراما التاريخية لأنها بالنسبة له دراما للطبقة المثقفة، ولمجتمع لا يتوجه إليه بمنتوجاته”.

وألقى عز العرب جام لومه على الدولة لأنها بحسب رأيه لا تأخذ بعين الاعتبار مكون الهويات بالمغرب الذي يجب أن يخرج من اعتبارات المستشهر، وأردف قائلا: “حتى حينما نتحدث مع المنتجين في إطار إنتاج دراما تاريخية، يتّجهون إلى القول بأنها تكلف كثيراً، وبميزانية فيلم تاريخي يمكن إنجاز عشرات الأفلام وهذه رؤية ضيقة، وتسلك طريق الاستسهال في المنتج”.

أُنجزت الكثير من السيناريوهات الخاصة بمسلسلات وأفلام تاريخية، يقول العلوي، مثل مسلسل “فاطمة الفهرية” من ثلاثين حلقة ومازال يراوح مكانه منذ سنوات “رغم أنني استطعت أن أحصل على جزء من الانتاج من دولة قطر لكن المغرب تخلّى عن الجزء الآخر، ولديّ الكثير من الأفلام لم تعرف طريقها إلى النور”.

وتابع المخرج ذاته،قائلاً: “حتى بالنسبة لطلبات الإنتاج التي تتقدم بها قنوات الأولى والثانية فهي تخرج دائما من حسبانها المسلسلات التاريخية، حينها تيقنت يقيناً ،مما لا رجعة فيه أنهم لا يريدون الاشتغال في الانتاج التاريخي، وهذا يحز في النفس كثيرا، ويدفعك إلى أن تجد مكاناً ضمن الإنتاج في المسلسلات الفكاهية، أو الإجتماعية إلى حد ما، كما يدفعونك إلى الابتعاد عن الأشياء التي تؤسس فعلا دراما تمثل نبراسا للشباب يهتدي بها، بدل الاهتداء برموز غربية”.

“المسلسلات التاريخية التي أنجزت في المغرب هي مسلسلات أُنتجت من طرف الغير وكانت موجهة لقنوات عربية وبلغة شامية”، هكذا عبّر العلوي بحرقة عن واقع الدراما التاريخية بالمغرب، مورداً أن المشكل الإضافي لتسويق الدراما العربية يكمن أولا في اللهجة المغربية التي لا يمكن أن تخرج عن إطار الحدود، إضافة إلى أن تسويق هذه المادة يعرف صعوبات كثيرة، لكن هذا الأمر لا يمكن أن تغطيه الدولة المغربية لأنه يدخل في صميم البنية الأساسية للهوية المغربية التي يحتاج إلى استثمار، كما لا يمكن إنجاز الدراما التاريخية بمنطق استرداد الأموال، وجني الأرباح، وإنما تنجز وفق منطق المواطنة.

ودعا عز العرب إلى ضرورة توفير الظروف الملائمة لإعطاء القيمة لمن يريدون العمل بجدية، لأن المغرب يعج بمبدعين في جميع الاتجاهات، مضيفا: “أنا بدوري قدمت أفلاما للقناة الأولى والثانية فيما يخص الأفلام الوثائقية أكثر من عشرين أو ثلاثين مرة، لكن في كل مرة أعود بالخيبات، وفي المقابل عندما قدمت سيناريوهات لأفلام وثائقية في الخارج جرى قبول أغلبها، كما أنتجت مع الجزيرة الوثائقية أكثر من أربعين فيلماً، في حين أنتجت مع القناة الأولى سوى أربعة أفلام لمدة عشرين سنة، وهنا يظهر من يعطي القيمة للمبدع أكثر”.

وعن تأثير الذوق العام على الفن اعتبر العلوي أن مقولة ” الجمهور عاوز كده” خاطئة، وفاشلة، تنتمي لدول العالم الثالث، ولها مفهوم إيديولوجي إلى حد ما، لأن الإبداع الحقيقي هو الذي يربي مشاهديه، بحكم أن المشاهد لا يعرف ماذا يريد حتى يشاهده، وحينما نتبع مقولة هذا ما يريده الشباك، برأيي هي نظرة ضيقة تجعل المجتمع يتّجه نحو الأسفل والحضيض، وأردف متسائلاً: “من كان يقول أن الدراما التركية كانت ستحقق نجاحا في المغرب، أو المكسيكية، أو السورية وغيرها؟”.

وأنهى حديثه بالقول “يجب أن نربي المشاهد المغربي على صورة نقية وعمل جميل ومبدع، وربما ما شاهدناه في المقابلة الرياضية بين الجيش الملكي، والمغرب الفاسي مرده تلك المسلسلات الرذيئة التي تحط بالقيم وتجعل المشاهد لا يرى أبعد من أنفه”.

غياب الاجتهاد

وفي السياق ذاته، يرى الممثل رشيد علي العدواني أن “غياب الدراما التاريخية يعود أولا إلى غياب الاجتهاد في التاريخ، ومن يبحث فيه يجب أن يكون حذرا جدا، كي لا يتم طمس حقائق تاريخية في تناول الحقبة التي يُعالجها في العمل الدرامي”، وأوضح قائلاً:” عند تناول قضية الانقلاب في فترة السبيعينات مثلا، لا بد من الرجوع إلى الحقائق المؤرخة وفي الوقت نفسه لا بد أن تكون وفيا لما يتداوله الناس في الوقت الراهن لإرضاء جميع الرؤى”.

وتابع حديثه “هذا فقط بالنسبة للتاريخ المعاصر، فما بالك بالتاريخ القديم، وهذا الأخير لا يحتاج لمؤلف واحد، خاصة على مستوى الدراما التي يتأثر بها الناس، ويصدقون كل ما يعرض عليهم”.

واستطرد العدواني في حديثه عن الأسباب التي تقف وراء غياب الدراما التاريخية بالمغرب،قائلا: “التاريخ يكلف الكثير، فضلا عن أنه دقيق جدا على مستوى اللباس، والألوان، لأن الحقبة مختلفة عن زمننا الحالي، وبالتالي هذا يكلف أموالا طائلة كي تجسد الحياة كما كانت عليه في السابق، ولا بد من بناء مدن سينمائية تستجيب والظرفية التاريخية التي نتناولها”.

ويرى الممثل ذاته ضرورة وجود هذه الأعمال لأن الجمهور اليوم لا يعرف تاريخه، والدراما يجب أن تلعب هذا الدور لما لها من تأثير خطير، وقد تقوم مقام كتاب التاريخ، لكن الشرخ يكمن في الهوة الفاصلة بين ما ورد في الكتب، والسياق الدرامي الذي قد يخضع لمعايير معينة.

وفيما يخص الملكات المميزة لممثل العمل التاريخي عن غيره بحسب وجهة نظر العدواني “الممثل يستطيع أن يمثل أي شيء، وعندما يقدم إليه عمل تاريخي يجب أن يبحث عن الشخصية التي يلعبها، ويغوص في ثناياها، ويستكشف كل جوانبها، فالاجتهاد هو الذي يميز ممثلاً عن آخر”.

وعن تجربته ضمن المسلسلات التاريخية وصفها بالقول: “بالنسبة لتجربتي أرى بأنها جميلة جدا، وهي بمثابة اختبار تمتحن من خلاله ذاتك، وأنا شخصيا أحب هذه النوعية من الأعمال، وتدعوني إلى التفكير في أساليب الحياة السابقة “.

ويرى العدواني أن المغرب لم يقدم شيئا على مستوى هذه الأعمال، بقوله:” كنا نشاهد الأعمال التاريخية التي جسدها السوريون بالمغرب، كما أن جلّ الدراما محصورة في الرباط والدار البيضاء، وهناك تقصير كبير”.

“مؤخرا كنت أتحدث مع شاب لم يبلغ بعد العشرين سنة من عمره، وتحدثنا على فترة الثمانينات بالمغرب، اكتشفت أنه لا يعرف شيئا عنها”، هكذا يصف الممثل مرارة “التقصير” تجاه هذه الأعمال، التي تخضع لرؤية مختلفة تجعل المؤلفين في حيرة على مستوى اعتماد الحقيقة التي سوف تمرر إلى الناس، معتقدا في نهاية حديثه مع “بلادنا24” إلى ضرورة امتلاك “السيناريست” قوة اقتراحية وهي بنظره من تحدد الدراما.

الفن مرآة ..لكن نجهل صورتنا

بدوره سار المخرج والسيناريست ومنتج الأفلام إبراهيم شكيري في الاتجاه ذاته في تصريح لـ “بلادنا24″ قائلا :”نحن نريد أن نقوم بهذه الأعمال لكن التوجه العام للدراما ينحو باتجاه المشاكل اليومية للمواطن المغربي، وللأسف باتت هذه الأعمال مكررة جدا، ولا تقدم أي جديد”.

وقال شكيري بأن الأعمال التاريخية تتسم بكلفة الإنتاج، كما لا تلقى اهتماما من قبل المسؤولين، لهذا يتجهون إلى الأعمال الاجتماعية التي لا تتطلب الكثير من الجهد، والمال، والإبداع كذلك، وكنت قد قدمت كتاب الموريسكي لحسن أوريد، كمقترح لعمل تلفزيوني لكنه ذهب أدراج الرياح “.

وبحسب شكيري لا يوجد هناك أزمة على مستوى النص، لكن أصحاب الإذاعة، وشركات الإنتاج لا يولون اهتماما للأعمال التاريخية، رغم أنها ذات أهمية، ولدينا مبدعين على مستوى النص، والتمثيل، والإخراج، فالمغرب غني جدا ثقافيا، وفكريا لكن للأسف لا يقدر بالشكل المطلوب”.

“الفن مرآة، وللأسف نحن لا نعرف صورتنا الحقيقية، ولا تاريخنا، وقدمت الكثير من الأعمال التي تتناول التاريخ المغربي والشخصيات المغربية لكن دون أن تنال القيمة التي تستحق ” بهذه العبارات يصف المخرج شكيري حال الدراما التاريخية بالمغرب بصوت يلفه الحسرة والألم.

المشاهد بحسب المخرج ذاته بريء مما ينسب إليه، والتبرير المقدم عن غياب الأعمال التاريخية كونها لا تلقى رواجا من قبل الجمهور منطق أعوج متسائلاً: ” لماذا يتابعون الأتراك، والأمريكيين، وغيرهم؟”، معتبرا بالقول: “نحن نربي الجيل على مثل هذه الأعمال وليس العكس، ونمثل من خلالها القدوة، والمثل الأعلى، والأمل”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى