الرئيسيةمجتمع

على ظهور الحمير ..طريق شاق يقطعه أطفال “آيت ويخلفن” بإقليم الحاجب للوصول إلى مدارسهم

قبل بزوغ الفجر، يضطر الأب رضوان آيت علي إلى الاستيقاظ بشق الأنفس لاصطحاب أولاده على ظهور الحمير، تاركاً مشاغله وأعماله لكي يوصلهم بأمان وسلام إلى مدرستهم، بينما ينفطر قلب الأم وهي تودع كل صباح فلذات أكبادها، محملين بكتبهم، ومشاق الطريق، للوصول إلى المدرسة التي سئموا طريقها الوعر، وجوها البارد، ورياحها العاتية التي تقذف بهم في متاهات الدروب شتاء، وعلى وهج الحرارة اللافح يتصببون عرقاً، ويتمايلون ضعفاً وهزالاً.
 

 
يمتطي أطفال الحاجب ظهور الحمير لكي يصلوا إلى مدارسهم عبر المنحنيات والمنعرجات، بغية أخذ العلم والمعرفة من مدرسة بعيدة لم يصل إليها طريق معبد، ولا حافلة تساعدهم على الوصول، ففي غياب البني التحتية لمثل هذه الأقاليم تبقى “الحمير” مركبا خشناً “وأخشن منه راكبه” الفقير الذي لم بجد وسيلة إلا هذا الحيوان الذي يقوم مقام السيارة لدى الأثرياء والمتنعمين.
 
 
يتراءى للناظر مشهد مثير بخلفياته وأبعاده، وتعود بنا الذاكرة إلى عقود سابقة كانت الحمير والخيول والإبل هي وسائل الانتقال والانطلاق لقضاء المآرب والحاجات، ولكن هذا المشهد في عصرنا الحديث يختزل المعاناة والصبر والإصرار والعزيمة لدى هؤلاء الأطفال الذين يتجشمون المصاعب للوصول إلى مدارسهم، إنهم فعلا فرسان بلا خيل، لا يأبهون بأهوال الطريق، ولا بنظرة الناس إليهم تقليلا من شأنهم، مشهد يصفع وجوه المستغلين والعابثين بمستقبل الطفولة، وبحياتهم المليئة بالعناء والتعب.
 
طريق مليء بالحفر، مليء بالأشواك، في وسط طبيعي محروم من عوامل النماء والازدهار لاسيما في عصر الجفاف، وقلة الأمطار، فإذا ما نزل المطر أصبح الطريق موحلا طينيا تتعثر فيه الأرجل، كما تتعثر فيه قوائم الحمير، بين السقوط والنهوض، فيصبح التلميذ متأرجحا خائفا يخشى الوقوع في هذا الدرب الشاق إلا أنه يظل مصرا على الوصول برغم البرد والزمهرير وقلة الحيلة.
 
في إقليم الحاجب الواقعة في جهة فاس مكناس، وتحديداً بدوار آيت حمو موسى، يستقيظ آيت علي هشام رفقة أخيه عبد العالي بشق الأنفس ليتأهبا للذهاب إلى مدرستهما التي تبعد عنهما حوالي 10 كيلومترات، ووسيلتهما في ذلك دواب القرية.
 
يحكي الأب بحرقة وألم تفاصيل المعاناة لـ”بلادنا24″عبر كلمات ملؤها الأسى والانفعال بصوت مبحوح أجش يوحي بهمّ الأبوة، وهي ترى فلذة كبدها تعاني مشاق وأهوال الطريق ذهابا وإيابا قائلا” إلى متى تبقى هذه الحال مستمرة بشقائها، وعذاباتها التي تطبع الأطفال بطابع البؤس، والقلق والعذاب، لاسيما وقت هطل الأمطار كما هو اليوم، وهم يخوضوه في أوحال الطريق، يلفحهم البرد، ويقسو عليهم المطر وتقذف بهم الريح يمنة ويسرة” مضيفا :”كيف يعقل أن يتمدرس هؤلاء الأطفال في ظل هذه الظروف القاسية الرهيبة التي تضغط عليهم وتحول بينهم وبين الذهاب إلى المدرسة في كثير من الأحيان، عندما تمزجر الطبيعة بعواصفها وأنوائها؟”.
 
يُواصل الأب حديثه بمرارة وحزن ،قائلا: ” لهذا السبب القاسي حرم ولدي عادل من المدرسة لأنه ضاق ذرعا بهذه الحال، التي أثرت في عقله ووجدانه، فآثر البقاء في المنزل على أن يتحمل صنوف العذاب، وألوانه في الذهاب والإياب من المدرسة”.
 
وتابع الأب قائلاً بأسف وندم: ” هذا ما وصلنا إليه جيل الكبار، حيث منعنا من الذهاب إلى المدرسة من جراء هذا الشقاء الذي مورس علينا ونحن أطفال فتركنا المدرسة وهجرنا القسم، وبقينا نجول في هذا الدوار نندب حظنا التعيس، وهذا ما يدفعنا إلى إيجاد كافة الوسائل التي تجعل أبناءنا في وضعية أحسن، وفي حال أفضل لكي لا نعيش تجربة الألم مرتين مرة في ذواتنا، ومرة في أبنائنا”.
 
يضطر الأب رضوان آيت علي إلى الاستيقاظ صباحاً لاصطحاب أولاده على ظهور الحمير تاركاً مشاغله وأعماله لكي يوصلهم بأمان وسلام إلى مدرستهم، نظراً لانعدام وسائل النقل ووسائط الذهاب المُريح، مما يجعله يلجأ إلى هذه الوسيلة التقليدية المتاحة في عالم الريف الذي لم تصله الحضارة بعد.
 
وتنبري الأم بدورها، قائلة:” يتفطر قلبي وأنا أرى أطفالي كل صباح يستيقظون باكراً ويتحملون مشقة الطريق، ويمشون بخطى متثاقلة للوصول إلى المدرسة، ولا أحد يهتم لحالنا، ولحال هؤلاء الأطفال الذين لا يتوفرون على أدنى مقومات الراحة، إلا على ظهور الدواب”.
 
وتتابع حديثها بصوت خافت ضعيف، وأشبه بالبكاء منه بالحديث على هذا الوضع المزري التي تعيشه هذه الأسرة وغيرها من الأسر المشابهة في وقت انعدمت فيه الكهرباء، ووسائل المواصلات، وقلة ذات اليد، فعاشوا على ضوء السراج، ضمن حجرة ضيقة تعلوها الكآبة، ويسود فيها الحرمان وهي تستمع إلى شكوى أبنائها من التعب، والجوع، والبرد، والاستيقاظ المبكر، كل هذا يحرمهم من العيش الكريم في هذا الواقع الأليم.
 
رئيس جماعة “آيث ويخلفن” وفي حديثه مع جريدة “بلادنا24” برّر هذه الوضغية من منظور رسمي، قائلا: “لقد أحضرت الجماعة عبر جمعية “شباب آيث ويخلفن” وسيلة نقل للتلاميذ منذ عامين، لكن الآباء رفضوا المساهمة في تكاليف الحافلة، التي جرى الاستغناء عنها لعدم وجود المورد المالي الذي يتكفل بها، ولكننا في المستقبل سنعمد إلى إيجاد هذه الحافلة، بمساعدة الجهات المختصة، ولاسيما بعد أن طاف العامل بالدواوير، للمعاينة والمشاهدة، ووعد بإيصال الكهرباء لمن لم تصلهم بعد، وبإيجاد وسيلة نقل تستخدم لهذا الغرض، وقام بمجهودات جبارة في هذا الصدد”.
 
وعاودت جريدة “بلادنا24” الاتصال برضوان آيت علي للتحقق من صحة هذه المعلومات، لكنه نفى أن يكون قد حدث شيء من هذا وإنما هي “وعود” لعلها تخفف من غضب أولياء التلاميذ بقوله: “منذ أن أبصرت النور في هذه المنطقة، لم أرَ وسيلة نقل واحدة جاءت إلينا في يوم من الأيام، ولو كانت متوفرة فعلاً لكنت من أوائل من ساهم في استمرارية هذه الحافلة خدمة لأبنائنا التلاميذ”.
 
وهو ما أكده أحد الفاعلين الجمعويين رافضاً الكشف عن اسمه في تصريح لـ”بلادنا24″ ،قائلا :” لم أر منذ ولادتي في هذه المنطقة وسيلة نقل واحدة تقل التلاميذ، إلى مدارسهم، مما يعني استمرار المعاناة إلى ما لا نهاية لها”.
متسائلاً بتذمر: “كيف يُعقل أن يكون لهذا الطفل القابلية للتعلم بعد كل هذا العناء، ونحن بصفتنا فاعلين جمعويين نتواصل مع جهات مسؤولة لكن لم تكن هناك استجابة من طرف الجهات الرسمية”.
 
يعيش هذه المأساة أكثر من 50 تلميذاً بحسب الفاعل الجمعوي، وليس من سبيل أمامهم سوى الانقطاع عن المدرسة، أو العيش في متاهات هذا الدوار، يتجرعون القهر، والعذاب، والإقصاء، فبات مستقبلهم مظلماً في أعينهم، وهذا ما يزيد من مرارة العيش وقساوة الحياة.
 
وختم حديثه بسرد أحوال الأسر مُبدياً الأسف والحسرة على ما آلت إليه أوضاعهم القاسية بقوله:” إذا بقي الأمر على هذه الحال، فالتلاميذ لا يقرؤون، لأن الآباء لا يستطيعون الجمع بين توصيلهم، ومزاولة أعمالهم، وهذه الوضعية بحد ذاتها تنشئ جيلاً ضائعاً مسلوب الطفولة لا يقدر على شيء سوى البحث عن لقمة العيش بأي شكل من الأشكال”.
 
هذا نموذج لأحوال المناطق النائية التي تعاني من هشاشة البنيات، كما تعاني من قساوة الطبيعة، وهي بين نار الواقع، والوعود التي يتلقونها صباح مساء ويبقى الحال على ما عليه حتى تأتي لحظة الأمل في إنجاز ما يرضي هؤلاء الآباء، وأولئك الأطفال في عيش كريم جدير بالاحترام والتقدير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى