مجتمع

“صنعة في اليد أمان من الفقر”… قصة كفاح نسجت بخيوط “الزرابي”

تعددت الأساليب وتنوعت الطرق، في تقديم بعض الظواهر الاجتماعية التي تتناول حياة بعض المكافحين في سبيل لقمة العيش، وقصة مريم زواو إحدى هذه القصص الاجتماعية التي يحفل بها المجتمع المغربي في ظل الأوضاع السائدة لدى الطبقات الفقيرة، فمريم امرأة مغربية مكافحة في سبيل العيش الكريم لها ولأسرتها، بعد خروجها من المدرسة لأسباب قاهرة فامتهنت صناعة نسيج ” الزرابي” أو “السجاد” وفق الطريقة التقليدية المألوفة في المغرب.

ونظراً لوطأة الفقر والحاجة، وقلة الموارد المالية، اتخذت مريم المنحدرة من دوار انزال جماعة سيروا وارزازات هذا الطريق الصعب، والشاق، في سبيل أن تحيى حياة كريمة بعيداً عن البؤس، والمعاناة، والفاقة، وسوء الحال الذي فرض عليهم اتخاذ هذا الطريق.

ومما دفع مريم ذات 33 ربيعاً إلى هذا المنحى في حياتها الاجتماعية كونها قد نشأت في أسرة اهتمت بهذه الصنعة التقليدية، منذ نعومة أظافرها، وهي تشاهد المراحل المكونة لهذه “الزربية” منذ إحضار الصوف، وتنظيفه، وتعقيمه ثم صباغته، بالألوان المختلفة كي تعطي للزربية من حيث النقوش، والرسوم، والأشكال الفنية دلالات يعرفها أصحاب الصنعة المتوارثة، وهكذا بدأت مريم المراحل الأولى في اتقان هذه الصنعة إلى أن تطورت وأصبحت بفعل الجهد، والممارسة، والمعاناة، صاحبة تعاونية مختصة بصناعة “الزرابي” المغربية وفق أصولها المتعارف عليها.

مريم نموذج للمرأة المغربية التي تستطيع بامكاناتها المادية أن تصل إلى ما تريد في أي ميدان من ميادين الحياة، وعندما تحدثت لـ”بلادنا24″، تشعر بنبرة صوتها المملوء بالأنفة، وتحدّي العراقيل التي تصادفها في حياتها، مع اعتزازها بصنعتها، وعملها المتقن، مما أعطاها قوة معنوية لمجابهة كل ما يعترضها من مشاق وصعاب.

تقول مريم بلهجة عربية توحي بأصولها “الأمازيغية” في حديثها مع “بلادنا24”: “تستغرق غزل السجادة الواحدة قرابة شهرين، تبدأ العملية من عزل الصوف، ثم غسله، فغزله ومعالجته فيما بعد، يليه تحضير حمام الصباغة، ويتبعه صباغة خيط الصوف، ثم جمعه على شكل كرة، وأخيراً تقطيع الصوف عبر الآلة التقليدية، وكل خطوة لها دلالة في عملية النسيج”.

تحكي مريم تفاصيلاً عن حياتها، وبداية تعلقها بحرفة نسج “الزرابي” قائلة: “أعيل نفسي ووالدتي العجوز، فأنا يتيمة الأب، وآثرت المضي في هذه “الحرفة” المتوارثة عن الأجداد، وهي ما تشتهر به منطقتنا كذلك، وعملي في هذا المجال يكسبني طاقة قوية، لأنني أحب عملي، وحب المجال أساس الإبداع”.

مريم كما فتيات “الدوار” التي تنتمي إليه لم تكمل دراستها، بسبب غياب المدارس الإعدادية، أو ربما التهميش الذي يطال كل المناطق النائية، البعيدة عن الأنظار، والاهتمام أيضا ،مستطردة: ” انقطعت عن الدراسة بحكم أن منطقتنا تنعدم فيها المدارس في المرحلة الإعدادية، وكان الأمر يتطلب الانتقال إلى مدينة وارزازات الأقرب إلينا، وبسبب قلة ذات اليد لم ير والداي بدا من ذهابي، خاصة وأن تعلم حرفة “متوارثة”، وستوفر لنا حياة كريمة”.

وتابعت حديثها،قائلة:” صحيح أن صلتي بالقراءة انقطعت منذ صف السادس الإبتدائي، وتفرغت لتعلم “الزرابي” في بيتنا الذي يشبه المشغل، لأن والداي كانا يعملان بهذا المجال، وتفتقت عيناي على النسيج، لكن رسمت منذ ذلك الحين خارطة طريق لحياتي، وأيقنت أن الصلة التي انقطعت مع المدرسة، توثقت مع مدرسة أخرى وهي الحياة التي تبقى فصولها مستمرة دون انقطاع”.

 

تكمل حديثها عن السجاد اليدوي بقولها: “في البداية أنشأنا جمعية تتألف من بعض فتيات “الدوار” اللواتي اخترن طريق الأجداد لمواصلة طريق الكفاح، ولإبقاء هذه الحرفة عصية على النسيان والنكران، وفيما بعد عزمنا على إنشاء تعاونية في عام 2018، أطلق عليها اسم تعاونية” انزال لنسج الزرابي”.

وأشارت مريم إلى أنها ومن معها من الحرفيات صادفتهن العديد من الصعوبات، تقول مريم: “لم يكن لدينا مقر في البداية، ولم نجد مكانا للعمل سوى بيوتنا، وزاد الوضع تأزماً حينما اجتاحت كورونا العالم حينها توقفنا عن العمل، إلى أن قدمت لنا الجماعة مقراً منذ عامين من الآن”.

واستفاضت في الحديث عن المشاكل التي صادفتها،قائلة: “نعاني منذ الوباء من سوء التسويق، بحكم أن عملنا وثيق الصلة بانتعاش الحركة السياحية، لأن الأجانب أكثر إقبالاً عليها من المغاربة، فهم “من يعرفون قيمتها أكثر”، ويتذوقون جمالها، ويثمنون العمل الذي يُبذل من أجلها”.

وعن الجهد المبذول لصناعة الزرابي أوضحت مريم لـ”بلادنا24″ بقولها: “للزرابي أنواع مختلفة، وقد تتطلب أكثر من يد لصناعتها، حسب كم تحتاج من متر، وحسب الطلب كذلك، وقد تسهر العين التي أجهدها النسيج لشهرين متواصلين، وربما أكثر”

وتعمل مريم وصديقاتها لساعات محددة من اليوم ابتداءً من الساعة العاشرة صباحاً وننتهي في السادسة مساء، وكل من يعمل في التعاونية وهن اثنتا عشرة امرأة نهلن الصنعة من بيوتهن ”

وفيما يخص الفرق بين عمل البيت، والعمل في التعاونية، أوضحت مريم قائلة: ” هناك فرق شاسع على صعيد التعامل مع الناس أولاً، لأن الكثير ممن يحبذون هذه الزرابي، لا يجدون مقراً يوصلهم بنا، لكن الآن لدينا مقر يحمل لوحة “بلاكة”، والزوار لا يتيهون في البحث عنا”.

وعند الطلب نحدد المدة التي سنستغرقها في إنجازه، أضافت مريم وكلما كثرت الأيدي نقصت المدة، ويستلمها صاحبها في وقت وجيز قد لا يتجاوز الشهر، لكن إذا استلمت الطلب امرأة واحدة قد تحتاج لأزيد من شهرين، فالعملية ليست بهذه السهولة، “لأن عملنا يحتاج للمسة إبداعية، وإتقان محكم”.

تتميز الزرابي اليدوية عن مثيلاتها في الأسواق، كونها بحسب مريم “تعيش لمدة أطول” لأنها تصنع من فروة الغنم، كما أن الخيط المستعمل خاص بهذه الصناعة يجلبنه من جبل “سيروا”، أمّا التي تصنع بـ”الماكينة” يكفي أن يتم غسلها حتى تظهر عليها ملامح التعب، والبهتان.

مريم ليست استثناء بصفتها نموذجا لامرأة مغربية مكافحة، لكنها صنعت هذا الاستثناء في مجالها بالجهد والمثابرة، والإصرار على تحدي المعوقات التي تحول بينها وبين هذا الإنجاز،الذي  تفتخر به  وتقدمه بشكل فني جميل يعكس جمال المغرب، وأصالته في التصاميم التقليدية التي أبهرت كثيراً من السياح الأجانب، مما دفعهم إلى شراء هذه التحف الفنية بل وكثيرا ما يلتمسون منها معرفة الطريقة التي تنسج بها هذه الزرابي الجميلة، فيخضعون لدورة تكوينية لعدة أيام بطلب منهم، يتعلمون من خلالها خبايا الصنعة، لينقلوا هذه الثقافة الأصيلة إلى عواصم العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى