تقاريرسياسية

دستورية جواز التلقيح.. بين الرفض والتأييد !

أحدث وباء كورونا انقلابا في المفاهيم والسلوك، وكل منهما قد أثر على الحياة الطبيعية في العالم بأسره، مما أحدث حالة من البلبلة الفكرية، والنفسية، والطبية، على صعيد التعامل مع هذه الجائحة، التي ذهب الناس في تفسيرها إلى مذاهب شتى، ومما زاد من هذا الاضطراب ، اللغط الحاصل الذي فرضته الحكومات على الشعوب، بما يسمى “الجواز الصحي”، وهذا بدوره قد حرك القوانين، والدساتير لإيجاد صيغة مقبولة يلتزم بها الجميع في حمل الجواز أو عدمه ،وراح المشرعون والقضاة والمحامون وعلماء الفيروسات في تبرير الجواز مرة، وفي رفضه مرة أخرى وهذا ما فتح المجال للتأويلات المتعددة.

شرود قانوني وحقوقي

صرح عبد العالي الصافي محامي بهيئة الرباط لجريدة “بلادنا24” أنه في بداية حملة التلقيح التي أطلقتها الدولة بعد تمكنها من الحصول على عدة أنواع من اللقاحات، دشنت الأطر القانونية ومعها الرأي العام نقاشات عمومية حول المبدأ “اختيارية، أو اجبارية اللقاح”، إلى أن حسمت الحكومة الجدل، وصرحت بأن اللقاح سيكون اختياريا، فكانت الأمور إلى حدود هذه اللحظة عادية ولا يشوبها شائبة.
إلا أن الأحداث بحسب الصافي ستعرف منعطفا قانونيا وحقوقيا خطيرا بقوله” أسميناه حينها -شرود قانوني وحقوقي- يهم بناء على قصاصة وكالة الأنباء الرسمية قرار الحكومة إجبار المرتفقين للإدلاء بجوائز التلقيح للولوج إلى المرافق العمومية، من أجل أجراة هذه القصاصة مجهولة المصدر والسند القانوني”متسائلا “هل يتعلق الأمر بقانون أو مرسوم أو منشور حكومي أو قرار إداري أو غيره، إذ عملت بعض المسؤولين الوزاريين على إصدار مذكرات بهذا الشأن، الشيء الذس عمق النقاش من جديد حول سؤال المشروعية والشرعية القانونية”.
وعرج المتحدث ذاته إلى أن الحكومة تستند في قرارها على المرسوم بقانون رقم 2.20. 292 الصادر بتاريخ23 مارس 2020 المتعلق بحالة الطوارئ الصحية الذي أسند في مادته الثانية للحكومة الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية، وتحديد النطاق الترابي لتطبيقها ومدة سريانها والإجراءات الواجب اتخاذها، كما أسند لها أن تاأخذ بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية أو بواسطة مناشير وبلاغات، كل التدابير اللازمة لمواجهة الحالة.
إلا أن ما استندت عليه الحكومة مسهبا عبد العالي الصافي يصطدم مع ما سبق وأن ما صرحت به الحكومة من اعتبار التلقيح اختياريا، وبالتالي اعتماد إجبارية الجواز دون إجبارية التلقيح يسقط الحكومة في فخ الخطاب المتناقض، ويسقط مصداقيتها في التعاطي مع هذا الموضوع، إذ أن اعتماد إجبارية الجواز يفرغ جوازية التلقيح من محتواه، ويجعله خطابا موجها للاستهلاك بل يجعل منه محاولة للالتفاف على الشرعية الدولية لحقوق الانسان، وهذا يمكن تسجيله في خانة تذاكي الحكومة مع مواطنيها، وهو أمر مرفوض أخلاقيا قبل أن يشكل خرقا سافرا لدستور المملكة والمواثيق الدولية التي وقع عليها المغرب.

مخالفة الدستور والمواثيق الدولية

بالرجوع إلى دستور المملكة الذي يقر مبدأ المساواة للمواطنين في الاستفادة من خدمات الإدارة، في المقابل يلاحظ تعطيله بقرار إداري، وصفه الصافي بأنه غير جائز قانونا لأنه يعطل مبدأ دستوريا غاية في الأهمية وهو مبدأ تراتبية القوانين، ثم أن نفس الدستور يحث على مسؤولية الدولة في حماية السلامة الجسدية للمواطنين والمقيمين فوق قرارها، وكذلك يمس مقتضى ٱخر يتعلق بحرية الإنسان في جسمه.
ويعتبر المتحدث نفسه بأن إجبارية التلقيح سيكرس تمييزا بين المواطنين، إذ أن الحكومة عندما جعلت التلقيح اختياريا، فهي احترمت حرية الرأي والتعبير، وبناء عليه تفترض بالضرورة مواطنين غير ملقحين، وبذلك تجسيد لممارسة حقهم المكفول دستوريا، لكن هذا الرأي سيجعلهم موضوع تمييز سلبي.
وأشار الصافي إلى أن المادة 26 من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية ينص في مادته 26 على أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون ومن حقهم التمتع دون أي تمييز وبالتساوي، ويحرم القانون في هذا المجال أي تمييز.
ونوه المحامي بهيئة الرباط في حديثه مع “بلادنا24″ على أن المادة الخامسة من الاتفاقية الدولية لمكافحة كل أشكال التمييز تنص على أن ” تتعهد الدول الأطراف لحظر التمييز العنصري والقضاء عليه بكافة أشكاله، ولضمان حق كل إنسان دون تمييز. لا سيما بصدد التمتع بالحقوق التالية: الحق في المعاملة على قدم المساواة أمام المحاكم وجميع الخيرات التي تتولى العدل ” كما تعرف المادة الأولى منه التمييز العنصري بأنه أي تمييز أو استثناء او تقييد أو تفضيل. “.
وانطلاقا مما سبق يرى المحامي بهيئة الرباط ذاته أن جواز التلقيح هو تفضيل واستثناء وتقييد يقوم على الرأي ضد غير الملحقين الذين يحملون رأيا، معتبرا أن حرمان شريحة واسعة من المواطنين من ولوج المرافق الحيوية تمييز وعقاب.

و تساءل الصافي : ” كيف يتغير حرمان المتقاضي الذي حضر للمحكمة بناء على استدعاء متهم بواجب متابعة قد تصل عقوبتها الإعدام من الدفاع عن نفسه، وكذا الشاهد الذي استدعي ومنع من الولوج قد يواجه عقوبة التغريم وقد يتم إحضاره بالقوة، وكيف سنحمي المريض الذي يأتي في سيارة إسجعافية فيمنع من حقه في الإستشفاء لأنه لا يحمل الجواز أو لا يملكه وقس على ذلك”.
وحتى بالرجوع إلى المرسوم الذي تستند عليه الحكومة يشترط عدم المساس بانسيابية العمل وعدم عرقلة السير العادي للمرافق العمومية، ويجد الصافي أن الحل للخروج من هذا المطب الحقوقي، أن تنسجم الحكومة مع نفسها وذلك بجعل عملية التلقيح والجواز اختيارية معا او اجبارية معا، رغم أنها بذلك ستكون قد ضربت دستورالمملكة وكل المواثيق الدولية عرض الحائط.
وختم حديثه بالقول “نحن دولة قانون ومؤسسات، ويتعين على الحكومة أن تتخلى عن دور التشريع لفائدة المؤسسة التشريعية، لأن التفويض التشريعي لا يجب أن يستمر إلى ما نهاية وإلا ما جدوى انتخابات 8 شتنبر وما الهدف من انتخاب ممثلي الأمة، حتى يتم احترام المشروعية والشرعية”.

إجبارية التلقيح. عملا منطقيا

في المقابل أوضح أستاذ القانون العام بجامعة محمد الأول بوجدة خالد الشيات لجريدة “بلادنا24″ أن هناك شقين للموضوع، الأول ينبني من خلاله فرض جواز التلقيح وإجبارية التلقيح كما هو الحال في مجموعة من الدول، حيث تصبح عملية قانونية ملزمة والذي يمتنع عن التلقيح يتلقى غرامات كما هو الشأن في أوروبا.
أما الثاني يضيف الشيات أنه يهم المستوى القانوني من خلال عدم فرض إجبارية التلقيح لكن بالمقابل هنلك إجبارية الإجراءات الموازية لحماية المواطنين من غير الملقحين، بقوله ” المواطن حر في أن يلقح ولكنه غير حر في أن يتعامل على مستوى المؤسسات، والأماكن العمومية كما يحلو له، فهو ملزم باتخاذ مجموعة من الاجراءات بما فيها عدم السماح بالدخول إلى بعض المرافق”
ويعتقد المتحدث نفسه أن الجانب الأول الإيجابي من هذه القرارات هو أن الدولة تتحمل مسؤوليتها ليس فقط على مستوى التلقيح، بل أيضا على مستوى التبعات القانونية، والقضائية، بمعنى أنه قد ينتج عن عملية التلقيح بعض التبعات الطبية والصحية، وبالتالي تكون هناك دعوات ضد الدولة للتعويض لأنها فرضت إجبارية التلقيح، وفي منطق المنازعات القانونية تصبح الدولة ملزمة بالتبعات القانونية المناسبة من قبيل تحملها بعض الغرامات، والتعويضات.
أما الجانب الثاني يضيف متحدثنا أنه ليس فيه إجبارية، فالدولة لا تفرض التلقيح، بل تفرض الإجراءات المتعلقة بحماية الصحة العامة، مضيفا: “من الناحية الدستورية لا يتعلق الأمر بما هو دستوري بل يتعلق بما هو قانوني، فقراءاتنا للدستور تجمع بين إمكانية فرض التلقيح وإمكانية عدم فرضه، وكلا الحالتين تعد دستورية، ولكن الجوانب الأخرى المتعلقة بالتبعات القاونية هي التي تطرح إشكالا”.
ويرى أستاذ القانون العام الشيات أن البناءات التي تقوم بها الدولة فيما تتعلق بفرض جواز التلقيح لدخول بعض المؤسسات عملا منطقيا، وفيه جانب من الصحة، حتى تتأتى لها حماية المواطنات والمواطنين وعليه يمكن للدولة أن تقوم بأي إجراء تراه مناسبا فيما يتعلق بحماية الصحة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى