حوار| الحسيني لـ”بلادنا24″: إسبانيا لا تستطيع الصبر على تطويق مغربي و الأزمة التي تعيشها أوكرانيا فتحت الأعين على مصالح الشركاء

مازال صدى الاعتراف الإسباني بمقترح الحكم الذاتي كحل للنزاع المفتعل على الصحراء المغربية يثير ردوداً إيجابية لعلها تضع حداً لهذا الصراع القائم بين المغرب وجيرانه الأقارب والأباعد، وهذا ما شكل منعطفاً جديداً في قضايا النزاعات الإقليمية، مما يعطي للمغرب بعداً استراتيجياً على الصعيد الدولي والإقليمي، في التعامل مع القضايا الإقليمية وإيجاد حلول لها.

هذا الاعتراف شكل صدمة سياسية للجزائر التي استدعت سفيرها في اسبانيا على وجه السرعة للتباحث في هذا الأمر، وهذا الاعتراف من جهة أخرى يفتح المجال لكثير من الحكومات التي اعترفت بالجمهورية الوهمية، لإعادة النظر في تعاملها مع هذه القضية باعتبار اسبانيا قد اعترفت وهي أصل المشكلة في الأساس.

وفي حوار أجرته جريدة “بلادنا24” مع أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، تاج الدين الحسيني، لمعرفة الخلفية السياسية للاعتراف الإسباني، وانعكاساته على الساحة الإقليمية لصالح المغرب، كشف الحسيني من خلال حديثه مع الجريدة عدة سيناريوهات محتملة لرد الفعل الجزائري إزاء هذا الاعتراف، مؤكداً على الدور القوي التي لعبته الدبلوماسية المغربية في الحصول على العديد من المكتسبات لصالح القضية الوطنية.

وفيما يلي نص الحوار:

هل يُساهم اعتراف اسبانيا بالحكم الذاتي في عودة الوعي للجزائر لإيجاد صيغة تفاهم مشتركة بين المغرب والجزائر على صعيد الصحراء المغربية واستثمار الطاقة بينهما؟

هناك سيناريوهان، أولهما إمكانية إقناع النظام الجزائري بالعودة إلى عين العقل بخصوص هذا الموضوع، وثانيهما يتجلى في أن يصبح النظام في الجزائر أكثر تشدداً عمّا كان عليه في الماضي، ولعل بوادر السيناريو الثاني بادية للعيان، حينما سارعت السلطات الجزائرية بطلب استدعاء سفيرها في مدريد، كما أن مجلس البرلمان الجزائري بادر من جهته إلى اتخاذ عدة توصيات للحكومة فيما يتعلق بوقف تزويد الغاز، وعرقلة العلاقات مع إسبانيا، إلى آخر ذلك واللائحة طويلة.

وأكثر من هذا، ما قامت به وسائل الإعلام الجزائرية من تنديد بلغ حد الوقاحة، فيما يتعلق بكون إسبانيا كانت هي سلطة الإدارة المكلفة بالإقليم، وبالتالي إمكانية التصعيد ربما تبقى قائمة خاصة ،وأن الجزائر ترى أنها باتت في وضعية وترة بعد توتر العلاقات بين روسيا وأوكرانيا، وأنها أصبحت مطلوبة على الصعيد الدولي في قضية التزويد بالغاز، ولكن بالنسبة للسيناريو الأول ربما هذا يرتبط بالضغوطات التي تُمارسها الولايات المتحدة، من خلال زيارة وزير خارجيتها “بلينكن”، وفي اعتقادي سيكون هدفها بالأساس هو ضبط العلاقات بين المغرب والجزائر، وإمكانية إعادة استعمال ما يسمى خط غاز المغرب العربي، ليوظف كوسيلة في دعم الغاز في اسبانيا.

ونحن نعلم أن هذا الخط كان يمرر ما يقارب 12 مليار متر مكعب من الغاز عبر التراب المغربي، وهذه النسبة مهمة جداً لأن الخصاص الذي تعرفه أوروبا الآن  يصل إلى حوالي 40% من احتياجاتها من موسكو لا تزال معلقة، وربما ستحاول الولايات المتحدة دعم  احتياجات هذه المنطقة الأوروبية بـ 55 مليار متر مكعب من الغاز هذه السنة، ولكن لن تستطيع تغطية الخصاص لأنها ستساهم فقط بإنتاج 50%.

والولايات المتحدة تسعى لدى باقي المنتجين وخاصة الجزائر من أجل محاولة ملء الفراغ، وهذه مهمة جد صعبة لأن الجزائر غير قادرة على تمرير الغاز عبر الأنابيب، بل يمكنها أن تمدهم بالغاز المُسال، وتصديره عبر بواخر، لكنها وسائل غير متوفرة حالياً بالنسبة للنظام الجزائري، لذلك الضغط من أجل إعادة إرجاع الخط القائم بين إسبانيا والجزائر عبر المغرب سيكون من بين نقط أجندة وزير الخارجية الأمريكي.

هل ساهمت الأزمة الأوكرانية في إيجاد حل للأزمة التي كانت بين اسبانيا والمغرب من حيث المصالح المشتركة بينهما؟

ليس بالضرورة، فالمغرب مارس ضغوطاً جد قوية على الصعيد الدبلوماسي، وفيما يتعلق بميدان الإرهاب يعد دور المغرب أساسياً في تبليغ المعلومات الخاصة بالشبكات الإرهابية التي تمكن من كشف خططها قبل أن تبلغ مآربها محافظاً على الكثير من الدماء التي كانت ستُراق إن تمكّنت من بلوغ مقاصدها الإجرامية.

المغرب كذلك عنصر مهم فيما يرتبط بالتحكم في عملية الهجرة السرية، فضلاً عن أنه مزود إسبانيا بالأسماك سواء في الضفة الجنوبية للمتوسط، أو في المحيط الأطلسي، ناهيك عن أن المغرب كذلك يضم أكثرمن  700 شركة اسبانية تدر أموالاً طائلة على الخزينة الإسبانية، كما يتعامل مع اسبانيا في إطار ما يتجاوز 17 ألف شركة عبر معاملات متعددة، كما للمغرب جالية تصل إلى 900 ألف نسمة باسبانيا، وتشكل قوة بشرية جد فعالة، وبالتالي الجوار الجغرافي حيوي ومهم جداً.

لهذا لا أعتقد أن اسبانيا تستطيع الصبر على تطويق مغربي بخصوص علاقاتهما الثنائية، وربما هذه الأزمة التي تعيشها أوكرانيا فتحت الأعين بشكل أوسع على المصالح الحقيقية، وأوضحت أن التحالف والارتباط بين الشركاء في وقت الشدة، هو أساسي لتجاوز هذه الأزمة بكثير من الوعي والتبصر، وربما رئيس الحكومة الإسباني قد اقتنع بوضوح بالموقف المغربي، وهناك آفاق جد مشجعة سيوضحها سانشيز في زيارته المرتقبة يوم فاتح أبريل، ثم إن زيارته هي مقبلة لرئاسة اللجنة العليا المشتركة، وآفاق التعاون شاسعة جداً بين الطرفين.

بماذا تفسر زيارة بلينكن للمغرب؟ وما هي الأهداف المتوخاة من هذه الزيارة؟

هذه الزيارة كانت منتظرة منذ زمن طويل، مصالح الولايات المتحدة في علاقتها مع المغرب جد مهمة، فهو حليف استراتيجي خارج الحلف الأطلسي، وتجري معه الولايات المتحدة حواراً استراتيجياً بشكل مستمر، والمغرب له معها اتفاقية للتبادل الحر هي الأولى في إفريقيا، ثم إن المغرب يعتبر شريكاً أساسياً في قلب إفريقيا والعالم العربي لمحاربة الإرهاب، وفي إطار تحالف ضد داعش، وأعتقد أن المؤتمر المقبل لمحاربة تنظيم داعش سوف ينعقد بمراكش، وبالتالي زيارة “بلينكن” تبررها العديد من الأسباب.

هل تعتبير زيارة بلينكن للجزائر محاولة للتطبيع مع اسرائيل من جهة ومحاولة الضغط على الجزائر من حيث زيادة  تصدير الغاز إلى أوروبا من جهة أخرى ؟

الولايات المتحدة دائماً في إطار علاقتها مع البلدان العربية هي عراب القضية الإسرائيلية، وهي تحاول جاهدة مع كل الأطراف العربية أن تتجه إلى التطبيع، ونجحت في هذه المهمة مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، ولكن أعتقد أنه من الصعب أن يتم ذلك بكيفية سلسة وسريعة مع الجزائر، لأنها ستفقد بهذا الاعتراف الورقة الأساسية التي توظفها في المنتديات العربية والإسلامية لمزيد من الشعبوية، والإقناع بمواقفها الأساسية المرتبطة بحركات التحرير الوطني، وحتى إذا كانت هناك نية للتطبيع سيكون ذلك في الكواليس كما هو دائماً، ثم في إطار بعض المظاهر الأخرى التي لا تمس مشاعر الجزائريين أو بعض البلدان العربية التي تعبرها ضمن ما يسمى ببلدان “الممانعة”.

ما هي الانعكاسات الإيجابية بعد الاعتراف على مستوى سبتة ومليلية سياسياً واقتصادياً؟

هذا شيء لا يقدر بثمن، سياسياً نلاحظ أن إسبانيا ولو أنها ليست بالعضو الدائم في مجلس الأمن، ولكنها المستعمر القديم لمنطقة الصحراء المغربية، وبالتالي هي تتوفر على عدة معلومات تتعلق بوضعية السكان أثناء تسليم الإدارة للمغرب، وترتبط بمرجعيات سواء طبوغرافية أو متعلقة بالاتفاقيات أو بوضعية الإقليم قبل وصول اسبانيا من وجود سيادة سلطان المغرب.

لكن أكثر من هذا إسبانيا تعتبر عضواً مهماً بمجموعة أصدقاء الصحراء، وهي تحضر مشاريع القرارات الخاصة بمجلس الأمن فيما يتعلق بهذه القضية، ولو أن الولايات المتحدة هي “pen holder”، أو ما يسمى بـ”حامل القلم”، والتي تقوم بصياغة مشاريع القرارات، ولكن إسبانيا تعد مرجعية كبرى لكل الأطراف في تزويدها بالمعلومات الأساسية.

كما أن إسبانيا هي المؤثر المركزي على ردود الفعل داخل أمريكا اللاتينية بالخصوص، فهذه البلدان تنقل كل مرجعياتها المرتبطة بقضية الصحراء، وما إذا كان هناك تأييد للاستفتاء، أو تأييد للحكم الذاتي جميعها رؤى تأخذها من اسبانيا، وأعتقد أن رد الفعل من طرف هذه البلدان سيكون قوياً  في مؤازرة الطرح المغربي.

ويمكن القول أن إسبانيا تدخل  ضمن لائحة المفاتيح الأساسية لاتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي إضافة إلى فرنسا وألمانيا، فإذا اجتمعت كلمة هذه الأطراف الثلاث للسير قدماً نحو تحقيق الحكم الذاتي سيكون له تأثير على باقي البلدان الأوروبية الأخرى، وعلى مستوى عدة كيانات أخرى لم تعترف إلى الآن بالسيادة المغربية.

بلادنا24 – مريم الأحمد

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات ( 0 )