تقاريرسياسية

تقرير| إرهاصات ما قبل انتخاب المغرب في مجلس الأمن والسلم الافريقي

قطعت السياسة الخارجية للمغرب أشواطاً هامة في ربط علاقاتها بمحيطها الافريقي القائمة على روابط تاريخية راسخة دعماً لخياراتها الاقتصادية، وتوجهاتها السياسية، بناء على منطق التعاون لمواجهة التحديات الأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية التي تهدد سلامة المنطقة، اذ عزز انتخاب المغرب في مجلس السلم والأمن الإقريقي حضوره ضمن الحضن الإفريقي باعتباره شريكاً أساسياً، وفاعلا حاضراً في موقعه الاستراتيجي وبثقله الحضاري والتاريخي.

وجاءت هذه الجهود ضمن سيرورة متواصلة لعبت من خلالها الدبلوماسية المغربية أدوارا بارزة دعمتها التوجيهات الملكية الرامية إلى انتهاج مقاربة شاملة ومنسجمة سعيا إلى ضمان الأمن، وتحقيقا للتنمية المرجوة، وهو ما أكده العاهل المغربي محمد السادس في رسالته الموجهة للقمة الفرنسية الإفريقية حول السلم والأمن من خلال الإشارة إلى أن المملكة جعلت القارة الإفريقية في صلب سياستها الخارجية لبلوغ تعاون تضامني جنوب-جنوب عبر تنفيذ استثمارات هامة أنعشت البلدان الإفريقية في مجالات متعددة.

وأدرك المغرب منذ أن ترك كرسيه شاغرا لسنوات عديدة إثر انسحابه من الوحدة الإفريقية عام 1984، أنه لا مناص من التعاون باعتبار أن الرابط الإفريقي يعد رافدا من روافد الهوية المغربية المنصوص عليها في الدستور، لذا صوب المغرب بوصلته جنوبا في السنوات الماضية، بحكم أن التعاون على صعيد اتحاد المغرب العربي يعرف نوعا من الجمود على مستوى الحركة، في مقابل التجدد في السياسات الإفريقية، والحركية على مستوى الاقتصاد ما عزز التقارب المغربي الإفريقي خصوصا بعد سحب الكثير من الدول اعترافها بالجمهورية الصحرواية الوهمية.

ونتيجة لتلك الجهود، استطاعت الدبلوماسية المغربية أن تستعيد مكانتها بافريقيا بانتخاب المغرب عضوا غير دائم بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ممثلا لإفريقيا ما بين 2011-2013، كما استعادت علاقاتها مع عمقها الإفريقي وبناء علاقات متينة مع أزيد من ثلاثين دولة جميعها سارت إلى دعم مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية الذي طرحه المغرب.

وعرفت الدبلوماسية الملكية الاستباقية والاكتساح الكلي لشتى الميادين مما أسهمت وبشكل كبير في الاعتراف بالمقاربة المغربية والدفاع عن قضية الوحدة الترابية من قبل مجموعة من الدول الافريقية حتى تلك المناوئة للطرح المغربي.
كما شهد التعاون أشكالا مختلفة على صعيد الانفتاح التجاري من خلال إبرام اتفاقيات تجارية ثنائية، ودأب المغرب على تقديم مساعدات مالية  من خلال الوكالة المغربية للتعاون الدولي، وكذا إلغاء ديون الدول الإفريقية الأقل نموا بمبادرة ملكية تثمن جهود المغرب، مما يسبغ على التعاون بعدا إنسانيا وتضامنيا، علاوة على تنشيط القطاع البنكي المحلي داخل السوق الإفريقية الذي يسهم بدوره في تعزيز التقارب بين الفاعلين الاقتصاديين وسائر القطاعات الأخرى.

ونتج عن هذه العلاقة المبنية على الفاعلية والشراكة تصاعدا على مستوى حجم المبادلات التجارية ليصل إلى 37 مليار درهم خلال عشر سنوات من التعاون ما بين 2004، 2014، هذا الأخير لم يكن ليتحقق لولا الطبيعة الآمنة والاستقرار السياسي الذي يشهده المغرب نتيجة لجريان الحياة الاقتصادية، وإرساء مبادئ الحكامة الجيدة لتحديث الدولة،، كما ركز المغرب في تقاربه مع افريقيا  على دول جنوب الصحراء التي تحظى بحصة مهمة من إجمالي استثمارات المغرب في الخارج إذ بلغت ما يناهز 54% سنة 2013، ليصبح المغرب ثاني أكبر مستثمر في القارة الافريقية خلال سنوات قليلة بعد جنوب افريقيا،  وكذلك انضمامه الى المجموعة الاقتصادية سيداو والشراكة الجديدة مع نيجيريا إذ بلغت عدد الاتفاقيات مع الدول الإفريقية 500 اتفاقية إلى الآن.دون إغفال البعد الديني المتجلي من خلال تصدير التجربة المغربية المعتدلة وذلك عن طريق إنشاء معهد محمد السادس لتكوين الإئمة الذي يضم طلبة من مختلف الدول الإفريقية.
وأطر  تصدير الدستور المغربي لسنة 2011 هذا التوجه بالإشارة إلى  تقوية علاقات التعاون والتضامن مع الشعوب والبلدان الافريقية، ولا سيما مع بلدان الساحل وجنوب الصحراء، واعتمد على آليات التنمية المستدامة وكذا التعاون الأمني والعسكري كما طبع بصمته في المجال الروحي والأمن الغذائي.

كما حمل الخطاب الملكي في الذكرى 41 للمسيرة الخضراء من “داكار ” مضامين كبرى  أهمها  الانتماء الكلي للمغرب للمكون الإفريقي وأن مستقبل المغرب في افريقيا ومستقبل افريقيا في المغرب.
وتظل الدبلوماسية المغربية بهذا المعنى ورقة رابحة داخل عمقه الافريقي تميزت بالانفتاح على كافة المجالات وباستخدام قوة ناعمة ركيزتها التعاون والتضامن وقوامها دين معتدل مبني على التسامح والتعايش السلمي،  كما أن انتخاب المغرب في مجلس الأمن والسلم الإفريقي يعطي دلالة عظمى وبعد أسمى للدور الجوهري الذي يقوم به  داخل االقارة الإفريقية.

إن أية قراءة للأحداث التي صاغت انتخاب المغرب مؤخرا في مجلس الأمن و السلم لإفريقي، لا يمكن أن تحيد عن سياقاتها التاريخية، وتطور بنياتها الاقتصادية، والسياسية بين المغرب وإفريقيا التي رغبت في تجديد الثقة بناء على الدور الطلائعي الذي لعبه المغرب إثر انتخابه لولاية 2018-2020 في مجلس الأمن والسلم الإفريقي بالدفاع عن مصالحه الحيوية والاستراتيجية، وبتقوية التلاحم الإفريقي في مواجهة الأخطار المحدقة به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى