مجتمع

ارتفاع معدل الطلاق في المغرب..أخصائيون يبرزون أسباب انهيار مؤسسة الزواج خلال فترة جائحة كورونا

شهدت السنتين الأخيرتين ارتفاعا صاروخيا في عدد حالات الطلاق في المغرب، مما جعل من هذه الظاهر محط اهتمام الباحثين والمهتمين بالشأن الاجتماعي من أجل الوقوف على الأسباب والعوامل التي قد تؤدي بمؤسسة الزواج إلى الانهيار نظرا لدورها الفعال في بناء الأسرة وبالتالي بناء المجتمع، على اعتبار أن تشوه العلاقة الأسرية قد يؤدي إلى تشوه المجتمع برمته وبروز ظواهر غير مرغوب فيها قد تكون خطيرة في أغلب الأحيان.

في هذا الصدد،أكدت أسماء المودن، محامية ورئيسة الشبكة المغربية “شمل” للوساطة الأسرية، في تصريح خصت به موقع “بلادنا 24″، بأن حالات الطلاق شهدت ارتفاعا مهولا خلال السنوات الأخيرة وخاصة خلال جائحة كورونا.

وكشفت المودن بأنها تتوقع أن يكون الرقم الذي ستعلن عنه وزارة العدل لسنة 2021 جد مرتفع، نظرا لارتفاع منسوب الخلافات والنزاعات الأسرية بشتى أشكالها خلال فترة الجائحة أو بسبب ظروفها.

و اضافت المحامية أن أواخر سنة 2020 و 2021 شهدت ارتفاعا في معدل الطلاق وقضايا العنف المنزلي والزوجي بمختلف محاكم المملكة، مشيرة إلى أن الاشكال لا يتعلق فقط بالطلاق وإنما بأنواع النزاعات التي تم تسجيلها سواء فيما يتعلق بالمدني منها أو الجنحي، وهو ما ستُظهره الأرقام التي لم يتم الإعلان عنها بعد بشكل رسمي.

وعزت المودن أسباب الطلاق إلى خمسة أسباب رئيسية أبرزها ضعف التواصل بين الأزواج، أي أنهم لا يملكون قدرات ومهارات تواصلية تمكنهم من تدبير الخلاف والاختلاف: “فمثلا من خلال مراكز الاستماع المختصة في الوساطة الأسرية يتضح بأن الأزواج يفتقرون لمهارات التواصل والاستماع الجيد لبعضهما البعض إلى حد يجعلهم لا يستطيعون تدبير الخلافات التي قد تنشب بينهم، وهو ما يحيلنا على إشكالية ضعف التأهيل في فترة ما قبل الزواج، فمثلا حينما يعزم أي شخص على الزواج يتم مطالبته فقط بملف يتضمن وثائق إدارية تنص عليها مقتضيات مدونة الأسرة دون النظر إلى مدى أهلية هؤلاء الأشخاص لتحقيق الشروط  اللازم توفرها من أجل إنجاح العلاقة الزوجية، والتي تتجلى في المؤهلات النفسية والفكرية التي تؤهلهم للدخول لقفص الزوجية”.

وأبرزت المتحدثة بأن هنالك عوامل تتعلق بالشق الأخلاقي والسلوكي، كالعنف وانعدام الأمن الأسري، ويتجلى ذلك في سلوكيات تمارس من طرف الأزواج وتعد بعيدة كل البعد عما يتطلبه الزواج من مسؤولية واحترام، كأن يقوم بعض الأزواج بتدبير الخلافات فيما بينهم بطريقة عنيفة وغير لائقة وغير حضارية.

ومن بين العوامل التي قد تؤدي إلى الطلاق، تطرقت المودن إلى العامل الاقتصادي والمادي، ذلك لأن هنالك عدد كبير من الزوجات يتحملن مسؤولية الانفاق على أطفالهن، ومع تصاعد الخلافات بين الزوجين تلاحظ المرأة بأن الزوج في بعض الحالات يقوم باستنزاف الأسرة ولا يضيف شيئا سوى المشاكل ما يجعله يشكل عبئا على العلاقة خاصة ،حينما تصبح الزوجة مطالبة بالانفاق على الزوج لأسباب متعددة من بينها عدم مزاولته لأي نشاط أو مهنة، أو تعاطيه لنوع من أنواع المخدرات ،وبالتالي تجد الزوجة نفسها في مأزق تضطر في ظله إلى إبعاد أطفالها عن وسط غير سوي قد يؤثر عليهم بشكل سلبي فيما بعد. وفي بعض الحالات التي تكون فيها الزوجة غير مستقلة ماديا فإنها قد تتغاضى عن بعض الأمور التي تحط من كرامتها على اعتبار أن الزوج هو معيل الأسرة الوحيد.

وبالإضافة إلى العامل الاقتصادي الذي يجعل مؤسسة الزواج تهتز خاصة في أوساط الأسر الهشة التي فقدت عملها خلال فترة وظروف الجائحة، ذكرت المودن بأن هنالك سببا يقود بعد الشركاء إلى الطلاق وهو الخيانة، وذلك من خلال قيام بعض الأزواج بإقامة علاقات جنسية مع طرف آخر، وهو الأمر الذي يدفع أحد الشركين إلى التطليق أو طلب الطلاق.

عامل آخر مهم وأساسي تطرقت له المودن خلال اتصال هاتفي أجرته مع موقع “بلادنا24″، يعد رئيسيا في انهيار العلاقة وهو الضعف الجنسي لدى بعض الأزواج أو انعدام الثقافة الجنسية لديهم.

و في هذا السياق ،أشارت المودن إلى أنه بالرغم من تحرج أو استحياء أغلب الأزواج من التطرق إلى هذا العامل، وعدم رغبتهم في الإفصاح عن كونه عامل وسبب رئيسي وحقيقي في الانفصال ويعلقون فشل العلاقة على أسباب هامشية إلا أنه من خلال البحث والاستماع إليهم يتبين بأنه السبب في الطلاق أو الانفصال.

وخلصت المودن إلى أن ليس هنالك سببا مستقلا يؤدي إلى الطلاق، بل هي عوامل مجتمعة تعيق الاستمرار في العلاقة الزوجية وتؤثر عليها بشكل سلبي يؤدي بها إلى الانهيار، فحينما يجتمع الفقر والهشاشة وضعف التأهيل وانخفاض نسبة الوعي لدى بعض الأزواج وكذا الإهمال يؤثر ذلك على استقرار الأسرة وبالتالي يتم اللجوء إلى القضاء من أجل الطلاق أو التطليق.

ومن جهته، أكد محسن بنزاكور، المتخصص في علم النفس الاجتماعي في حديثه لموقع “بلادنا 24” بأن معدل الطلاق ارتفع خلال السنوات الأخيرة وخاصة طلاق الشقاق، مؤكدا على أن ظاهرة الطلاق تعد ظاهرة اجتماعية متعددة الأبعاد،مشيرا في سياق حديثه إلى بعض الأسباب التي قد تؤدي إلى بروز هذه الظاهرة من بينها العنف،و عدم الكفاءة المالية، وعدم الكفاءة الجنسية، وعدم القدرة على فض النزاع وتدبير الاختلاف.

وشدد بنزاكور على أهمية مرحلة ما قبل الزواج، ذلك لأن المغرب من الدول القليلة في العالم التي لا تقوم باعتماد برامج لتأهيل الأزواج، “فالمجتمع المغربي يعيش بمفهوم الجماعة والأسرة الممتدة، لكن اليوم تغير الأمر فنحن نعيش في نوع من الاستقلالية والحرية الفردية، وبالتالي فإن غياب تأهيل الأزواج يعد سببا أساسيا في خلق تمثل خاطئ للزواج لديهم. فالأزواج خلال مرحلة ما قبل الزواج أو الخطوبة لا يعيران أهمية للحديث عن الحياة بعد الزواج بشكل جاد ويكتفيان بالخوض في تفاصيل العرس او الهدايا وما الى ذلك بدل الاتفاق حول تدبير الشأن الأسري الذي يعد العنصر الأهم في هذا الموضوع”.

وتطرق بنزاكور إلى اختلاف الأفكار وكذا البيئة التي نشأ فيها الأزواج  مما قد يولد نزاعات أو صدامات  بعد الزواج، والمشكل الذي قد يؤدي الى الطلاق في هذه الحالة هو عدم القدرة على تدبير الاختلاف وغياب مهارات التواصل.

ولم يغفل بنزاكور العامل الاقتصادي والجانب المادي باعتباره عاملا جوهريا: “فحسب احصائيات المندوبية السامية للتخطيط، أكثر حالات الطلاق تتم لدى ذوي الدخل المحدود”.

وعزا بنزاكور أسباب ارتفاع معدل الطلاق خلال فترة الجائحة إلى عدم مقدرة الأزواج على التكيف مع الظرفية التي  أثرت بشكل سلبي على نفسيتنا وفرضت علينا نمط عيش معين، وهنا يبرز ما نسميه بقدرة التأقلم عند كل فرد، مشيرا إلى أن: “الأزواج وجدوا أنفسهم ملزمين بالمكوث في منازلهم وعدم ممارسة الأنشطة التي كانوا معتادين على ممارستها والتي تعتبر متنفسا بالنسبة لهم، ذلك لأن غياب مزاولة هذه الأنشطة واحتكاك الأزواج ببعضهم يسمح للرتابة والملل بالتسلل الى العلاقة وهو ما يولد صدامات قوية بسبب أبسط الأشياء، وبالتالي تجعل الشخص المسالم يتحول الى شخص عنيف وهو ما يبرر ارتفاع نسبة العنف خلال فترة الجائحة في العام بأسره وليس فقط في المغرب”.

واستطرد المتحدث ،قائلا:”هذا بالإضافة إلى أن هنالك بعض الأزواج الذين لم تتح لهم الفرصة لتقييم العلاقة أو معرفة الشخص الذي ارتبطوا به بشكل جيد إلا خلال فترة الجائحة وذلك بسبب الانشغالات اليومية.”

وعرج بنزاكور على أحد أهم مرتكزات العلاقة الزوجية بالنسبة لبعض الأزواج ألا وهي العلاقة الحميمية بينهما، فمثلا قد يؤثر الضعف الجنسي لدى أحد الزوجين أو العقم على العلاقة الزوجية بشكل يقودها إلى الانهيار.

وشدد بنزاكور على ضرورة تأهيل الأزواج وتعزيز سبل التواصل بينهم بشكل يسمح لهم بمعرفة بعضهما البعض بشكل جيد قبل الزواج، ويجعلهم يدبرون “مرحلة الأزمة” التي قد تصادف جل العلاقات من أجل ضمان استمرار العلاقة بشكل سليم.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى